النويري

50

نهاية الأرب في فنون الأدب

لون على شئ « 1 » ] ؛ فما خرج منه أخضر دلّ على العمارة وحسن النبات والزرع وصلاحه ، وإن خرج الدخان أبيض دلّ على الجدب وقلَّة الزكاء « 2 » ، وإن خرج أحمر دلّ على الدماء والحروب وقصد الأعداء ، وإن كان أسود دلّ على كثرة الأمطار والمياه وفساد بعض الأرض بذلك ، وإن كان أصفر دلّ على النيران وآفات تحدث في الفلك ، وما كان منها مختلطا دلّ على مظالم الناس وتعدّى بعضهم على بعض وإهمال ملوكهم لهم ، وأشياء من هذا الضرب . وكانت هذه القبّة على منار أقام زمنا طويلا ثم هدمه بعض الملوك البربر ؛ لأنه أراد غزو قوم بتلك الناحية فعلموا بحاله فانتقلوا عن ذلك الموضع إلى قرب النيل فلمّا جاء ولم يجدهم هدمه . ومما عمل له في الصحراء التي تقرب منه - وكانت الوحش قد كثرت وأفسدت عليهم زرعهم وكذلك خنازير الماء - شجرة من نحاس عليها أمثال تلك الوحوش ملجمة أفواهها بخيوط من نحاس ، فما يجوز بها من الوحش لا يستطيع الحراك ولا البراح من عندها حتى يؤخذ قبضا ويقتل ؛ فأشبع الناس في لحوم تلك الوحوش وانتفعوا بجلودها زمانا طويلا إلى أن انتزعها بعض ملوك الغرب سرّا من أهل مصر وقدّر أن ينصبها في بلدهم فتعمل له مثل ذلك ، فلمّا عملها بطلت ؛ لأنهم كانوا يعملون ما يعملون بطالع يأخذونه له ، فلا يزال عمله مستقيما إلى أن تغيّر عن مكانه فبطل عمله . ومما عمل في وقته أنّ غرابا نقر عين صبىّ من أولاد الكهنة فقلعها ، فعمل شجرة من نحاس عليها تمثال غراب من نحاس في منقاره حربة بادية الطرفين . منشور الجناحين ، وكتب على ظهره كتابا ؛ فكانت الغربان تقع على تلك الشجرة

--> « 1 » التكملة من خطط المقريزي . « 2 » الزكاء : النماء ، يقال زكا الشئ يزكو زكاء وزكوا ، نما .