النويري

51

نهاية الأرب في فنون الأدب

ولا تبرح حتى تؤخذ فتقتل ، ففنى أكثر الغربان وزالت عن تلك الناحية إلى ناحية الشام . ولم يزل الأمر على ذلك إلى أن أصاب بعض ملوكهم علَّة ووصف له فيها لحم غراب يطبخه ويأكله ويشرب من مرقه فلم يوجد ، فوجّه إلى آخر العمل الذي بمصر من ناحية الشام من يأتيه بغراب فأبطأ عليه ، فأمر بنزع الشجرة فرجع الغربان وأخذ منها ما عولج به الملك قبل أن يرجع رسوله . ومما عمل في وقته - وكانت الرمال قد كثرت عليهم من ناحية الغرب حتى ظهرت على زروعهم - فعمل لذلك صنما من صوّان أسود على قاعدة منه وعلى كتفه شبه القفّة فيها كالمسحاة ، ونقش على جبهته وصدره وذراعيه وساقيه حروفا ، وأقامه الكاهن بطالع أخذه له ووجهه إلى الغرب ؛ فانكشفت تلك الرمال ورجعت إلى ورائها . فتلك الأكداس العالية في صحراء الغرب منها . ولم تزل الرمال تندفع عنهم إلى أن زال ذلك الصنم عن موضعه . قال : وأقام البودسير مدّة واحتجب عن الناس ، وكان يتجلَّى لهم في صورة وجه عظيم ، وربما خاطبهم ولا يرونه ، ثم غبر « 1 » مدّة وهم في طاعته إلى أن رآه ابنه عديم وهو يأمره بالجلوس على سرير الملك . فجلس عديم « 2 » بن البودسير على الملك وكان جبارا لا يطاق ، عظيم الخلق ، فأمر بقطع الصخور ليعمل هرما كما عمل الأوّلون . قال : وكان في وقته الملكان اللذان

--> « 1 » غبر : مكث وبقى . « 2 » في خطط المقريزي ( ج 3 ص 38 طبعة فييت ) ما نصه : « فلما مات ملك بعده ابنه أرقليمون ، وكان كاهنا ساحرا ، فعمل أعمالا عظيمة ، منها : أنه كان يجلس في السحاب فيرونه في صورة إنسان عظيم ، وأقام مدّة على ذلك ، ثم إنه غب عن أهل مصر وصاروا بغير ملك ، ثم رأوا صورة بحذاء جزء الشمس عند حلولها أوّل يرج الحمل ، فأمرتهم أن يقلدوا الملك عديم بن قفطريم : وأعلمتهم أنه ما بقي يعود إليهم . فولوا عليهم ملك مصر عديم بن قفطريم ، وكان جبارا عظيما الخ » .