النويري
49
نهاية الأرب في فنون الأدب
سيفان كالبرق ، ووراءهما بلاطة تحتها لوالب فمن وطئها ضرباه بأسيافهما فقتلاه ، وفى سقف كل أزج كرة عليها لطوخ مدبّر يسرج ، وسدّ باب الأزج بالأساطين ورصّوا على سقفه البلاط العظام وردموا فوقها الرمال ، وزبروا على باب الأزج : هذا الداخل إلى جسد الملك العظيم المهيب الكريم الشديد قفطريم ذي الأيد والفخر ، والغلبة والقهر ، أفل نجمه وبقى ذكره وعلمه ، فلا يصل أحد اليه ، ولا يقدر بحيلة عليه ، وذلك بعد سبعمائة وسبعين ، ودورات مضت من السنين . قال : ولمّا مات قفطريم ملك بعده ابنه البودسير بن قفطريم ؛ فتجبّر وتكبّر وعمل بالسحر واحتجب عن العيون ، وقد كان أعمامه أشمون وأتريب وصا ملوكا على أحيازهم إلَّا أنه قهرهم بجبروته وقوّته ، فكان الذكر له كما كان لأبيه . ويقال : إنه أرسل هرمس الكاهن المصرىّ إلى جبل القمر الذي يخرج النيل من تحته حتى عمل هناك هيكل التماثيل النحاس ، وعدل إلى البطيحة التي ينصبّ إليها ماء النيل . ويقال : إنه الذي عدّل جانبي النيل وقد كان يفيض [ في مواضع وينقطع في مواضع « 1 » ] ، وأمره البودسير أن يسير مغرّبا فينظر إلى ما هناك ، فوقع على أرض واسعة متخرّقة بالمياه والعيون كثيرة العشب ، فبنى منائر ومتنزهات ، وحوّل إليها جماعة من أهل بيته فعمروا تلك النواحي وبنوا فيها حتى صارت أرض الغرب كلها عمارة ، وأقامت كذلك مدة كثيرة وخالطهم البربر فتناكحوا ؛ ثم إنهم تحاسدوا وبغى بعضهم على بعض ، وكانت بينهم حروب فخرب البلد وباد أهله إلا بقية منازل تسمّى الواحات هي موجودة إلى وقتنا هذا . ويقال : إنه عمل عجائب كثيرة في وقته ، منها : قبّة لها أربعة أركان وفى كلّ ركن منها كوّة يخرج منها كالدخان الملتفّ في ألوان شتّى [ يستدلَّون بكل
--> « 1 » التكملة من خطط المقريزي ( ج 3 ص 37 طبعة فييت ) .