النويري
40
نهاية الأرب في فنون الأدب
وصفّحوها بالزجاج وحبسوا فيها الرياح بتدبيرهم ، واتخذ فرعان منها عدّة له ولأهل بيته . وكان فرعان قد أقصى الكهّان وباعدهم ، وكانوا مع الملوك على خلاف ذلك . ولنصل هذا الخبر بخبر الكهّان وما كانوا عليه . ذكر خبر كهّان مصر وحالهم مع الملوك قال : وكهّان مصر أعظم الكهان علما ، وأجلَّهم في الكهانة حديثا . وكان حكماء اليونان يصفونهم بذلك ، ويشهدون لهم به ويقولون : أخبرنا حكماء مصر بذلك فاستفدناه منهم . وكانوا ينحون في كهانتهم نحو الكواكب ، ويزعمون أنها هي التي تفيض عليهم العلوم وتخبرهم بالغيوب ، وهى التي علَّمتهم أسرار الطبائع ، ودلَّتهم على العلوم المكنونة ؛ فعملوا الطلَّسمات المشهورة ، والنواميس الجليلة ، وولَّدوا الولادات الناطقة ، والصور المتحرّكة ؛ وبنوا العالي من البنيان ، وزبروا علومهم في الصلب من الصّوّان ، وانفردوا بعمل البرابى ، ومنعوا بها الأعداء من بلدهم ، وعجائبهم ظاهرة . وكان الذي يتعبّد منهم الكواكب السبعة المدبّرة ، لكلّ كوكب سبع سنين ، فإذا بلغ هذه الرتبة سمّى قاطرا « 1 » ، وكان يجلس مع الملك في المرتبة ويصدر الملك عن رأيه ، وإذا رآه قام له . وكان من رسمهم في كل يوم أن يدخل القاطر إلى الملك فيجلس إلى جانبه ، ويدخل الكهنة ومعهم أصحاب الصناعات فيقفوا حذاء القاطر ، وكلّ واحد من الكهنة منفرد بكوكب يخدمه لا يتعدّاه إلى سواه ، ويسمّى عبد كوكب كذا ، كما كانت العرب تسمّى عبد شمس ، فيقول القاطر للكاهن : أين صاحبك ؟ فيقول :
--> « 1 » القاطر : معناه جامع العلوم ، وهو الذي يعبد الكواكب السبعة لكل كوكب سبع سنين ، كما ذكره المؤلف أيضا فيما سبق ( ص 23 ) من هذا الجزء .