النويري
39
نهاية الأرب في فنون الأدب
ذلك ، فأعلم « 1 » الملك فرعان وألبسه خلعا منظومة بالجوهر ، وأمر بأن يطاف به ويذكر فضله ، وأمر له ببعض قصوره . واتفق أن امرأة من نساء الملك عشقته وراسلته فامتنع فرعان من ذلك وفاء للملك ، ولأنّ التحظَّى إلى نساء الملوك كان من الأمور العظيمة عندهم . فلمّا طال ذلك عليها أحضرت ساحرة ولا طفتها وذكرت لها حالها ووجدها بفرعان ، فضمنت لها بلوغ مأربها منه وسحرته لها ، فاهتاج إليها وندم على ردّها وجعل يدسّ إليها إلى أن اجتمعت معه ، وتمكَّن حبّ كلّ واحد منهما من صاحبه ، إلى أن ذاكرته أمر الملك وأنها لا تأمن أن يتّصل به خبرهما وقالت : أنا أعمل الحيلة في قتله وتكون أنت الملك وأكون لك ونأمن على أنفسنا . فمن شدّة ما عنده من حبّها حسّن لها ذلك ، فسمّت الملك في شرابه فمات لوقته وحمل إلى الهرم . وملك بعده فرعان بن مسور وجلس على سرير الملك فلم ينازعه أحد ، وفرح الناس بمكانته لشجاعته . وهو الذي كان الطوفان في وقته . قال : ولمّا ملك علا في الأرض وتجبّر واغتصب الناس أموالهم وأنفسهم ونساءهم ، وعمل ما لم يعمله ملك قبله ؛ وأسرف في القتل وهابته الملوك وأقرّوا له . وهو الذي كتب إلى الدرمسيل ملك بابل يشير عليه بقتل نوح عليه السلام . وذلك أن الدرمسيل بن محويل كتب إلى الأقاليم يسألهم : هل يعرفون آلهة غير الأصنام ؟ ويذكر قصّة نوح وأنه يريد تغيير ذلك ، وأن له إلها غيرها ، فكلّ أنكر ذلك . ولمّا أخذ نوح في بناء السفينة كتب فرعان إلى الدرمسيل يشير عليه بإحراقها ، وكان عند أهل مصر خبر الطوفان ولكنهم لم يقدروا كثرته وطول مقامه على الأرض ، فاتّخذوا السراديب تحت الأرض
--> « 1 » أعلمه : وسمه بسيماء الحرب .