النويري

29

نهاية الأرب في فنون الأدب

يتكلَّم بكلام كاهنىّ فسّره لهم بعض أصحاب الديارات بالصعيد : هذا جزاء من يطلب ما ليس له ؛ ثم سقط ميّتا ، فحملوه وفطن بهم فأخذوا وأتى بهم إلى الوالي فحدّثوه بالخبر . وفى خبر آخر : أنّ قوما دخلوا الهرم وانتهوا إلى أسفله وطوّفوه فعرض لهم مثل الطريق فساروا فيه فوجدوا قبّة تحتها كالمطهرة يقطر فيها ماء فينشّ « 1 » ثم يغيض « 2 » ولم يدروا ما هو ، ووجدوا موضعا كالمجلس المربّع حيطانه كلَّها بحجارة ملوّنة عجيبة ، فقلَّع أحدهم منها حجرا وجعله في كمّه فانسدّت أذناه من الريح ، ولم تزل « 3 » تصر وهو معه ، ووجدوا مكانا كالفوّارة العظيمة فيها ذهب مضروب كثير يكون الدينار منه زهاء مائة مثقال ، فأخذوا منه شيئا فلم يستطيعون أن يمشوا ولم يتحرّكوا حتى تركوه من بين أيديهم . ووجدوا في مكان آخر كالصّفّة فيها شيخ من حنتم « 4 » أخضر كأنه مشتمل بشملة ، وبين يديه تماثيل صغار في صور الصّبيان وكأنه يعلمهم ، فأخذوا منه شيئا فلم يقدروا أن يتحرّكوا فردّوه ، ومشوا أيضا في ذلك الطريق فوجدوا بيتا مسدودا فيه دوىّ هائل وزمزمة فلم يتعرّضوا له ، ومضوا فوجدوا كالمجلس المرّبع فيه صورة ديك من جواهر معمولة ، قائم على أسطوانة خضراء ، وله عينان يسرج منهما المجلس ، فلما قربوا منه صوّت بصوت مفزع وخفق بجناحيه ، فتركوه ومضوا حتى بلغوا صنما من حجر أبيض في صورة امرأة منكَّسة على رأسها ومن جانبيها أسدان من حجارة كأنهما يريدان نهسها « 5 » ، فجعلوا يتعوّذون ويقرؤن إلى أن جاوزوها . قال : وقيل إنهم مشوا حتى لاح لهم نور فاتّبعوه فإذا بفوّهة مفتوحة فخرجوا منها فإذا هم

--> « 1 » ينش : يأخذ ماؤه في النضوب . « 2 » يغيض : ينقص . « 3 » تصر : تصوت صوتا شديدا . « 4 » الحنّم : جرار خضر تضرب إلى الحمرة . « 5 » نهسها : يقال نهسه الكلب والذئب والسبع بالسين المهملة ، ونهشته الحية بالشين المعجمة .