النويري

28

نهاية الأرب في فنون الأدب

في موضعه ، فقال : كان هؤلاء القوم من العلوم بمنزلة لا ندركها نحن ولا أمثالنا . وقيل : إنّ المطهرة التي وجد فيها الذهب كان من زبرجد ، فأمر المأمون بحملها إلى خزانته ، وكانت أحد ما حمل من عجائب مصر . ومن عجائب أخبارها أنّ المأمون لمّا فتح الهرم أقام الناس سنين يقصدونه ويدخلون فيه وينزلون الزلَّاقة التي فيه ، فمنهم من يسلم ومنهم من يهلك . وأنّ جماعة من الأحداث اهتمّوا ، وكانوا عشرين رجلا ، على أن يدخلوا الهرم ولا يبرحوا منه حتى يقفوا على منتهى أمره ، فأخذوا معهم من الطعام والشراب ما يكفيهم لشهرين ، وأخذوا السكك والحبال والشمع والوقيد والفؤس والقفاف ودخلوا الهرم ، ونزل أكثرهم في الزلَّاقة الأولى والثانية ، ومضوا في أرض الهرم فرأوا فيه خفافيش بقدر العقبان تضرب وجوههم ، فانتهوا إلى لصب « 1 » في حائط تخرج منه ريح باردة لا تفتر ، فذهبوا ليدخلوا فانطفأت سرجهم ، فجعلوها في زجاج وذهبوا ليدخلوا فكاد اللَّصب ينطبق عليهم فهابوه فقال أحدهم : اربطوا وسطى بحبل وأنا أدخل ، فإذا كاد اللَّصب ينطبق فجرّونى إليكم ؛ وكان على باب اللَّصب أجرنة « 2 » فارغة فعلموا أنّ أجساد موتاهم داخل ذلك اللصب ، فربطوه بالحبل ، فلمّا تقحّم « 3 » اللصب انطبق عليه فجرّه أصحابه فلم يقدروا على نزعه وسمعوا عظامه تتكسّر ، وسمعوا صيحة هائلة فسقطوا على وجوههم لا يعقلون . فلمّا أفاقوا طلبوا الخروج فأخرجهم أصحابهم بشدة ، وسقط بعضهم في وقت صعودهم من الزلَّاقة فنزل ، وخرجوا من الهرم فجلسوا في سفحه متعجّبين ، فإنهم كذلك إذ أخرجت لهم الأرض صاحبهم

--> « 1 » اللصب ( بالكسر ) : الشعب الصغير في الجبل . « 2 » أجرنة : الأجرنة جمع جرن بالضم وهو حجر منقور للماء . « 3 » تقحم اللصب : دخل فيه .