النويري

72

نهاية الأرب في فنون الأدب

ذكر خبر الزرع الذي رعته الغنم وما حكم فيه سليمان عليه السلام قال الكسائىّ : وبينما داود - عليه السلام - في يوم قضائه وسليمان بين يديه ، إذ تقدّم إليه قوم فقالوا : يا نبىّ اللَّه ، إنّا قوم حرثنا أرضا لنا وزرعناها وسقيناها حتى بلغت الحصاد ، فجاء هؤلاء وأرسلوا أغنامهم فيها بالليل ، فرعتها جميعا حتى لم يبق منها شئ . فقال داود لأصحاب الغنم : ما تقولون ؟ قالوا : صدقوا . فقال لأصحاب الزرع : كم قيمة زرعكم ؟ قالوا : كذا وكذا . وقال لأرباب الغنم : كم قيمة أغنامكم ؟ فذكروا قيمتها ، فتقاربت القيم ، فقال : ادفعوا أغنامكم إليهم بقيمة زرعهم . فقال سليمان : يا أبت إن أذنت لي تكلَّمت . قال : يا بنىّ تكلم بما عندك . فقال سليمان لأرباب الغنم : ادفعوا أغنامكم إلى هؤلاء ينتفعوا بأصوافها وألبانها ونتاجها ، وخذوا أنتم أرضهم فاحرثوا وازرعوها واسقوها حتى يقوم الزرع على سوقه ، فإذا بلغ الحصاد فسلَّموا إليهم أرضهم بزرعها وخذوا أغنامكم ، فرضوا جميعا بذلك . قال اللَّه تعالى : * ( فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ وكُلاًّ آتَيْنا حُكْماً وعِلْماً ) * « 1 » . قال : ولما نظر مشايخ بني إسرائيل إلى جلوس سليمان عن يمين أبيه مع صغر سنّه حسدوه على ذلك . فأوحى اللَّه إلى داود أن يقيم سليمان خطيبا ليسمعهم من الحكمة ما ألهمه اللَّه ليعلموا فضله عليهم . فجمع داود الناس حتى العبّاد والرّهبان وأهل السياحة إلى محرابه ، وكانت سنّ سليمان يومئذ اثنتي عشرة سنة ، فأخرجه داود إليهم وألبسه لباس النبيّين من الصوف الأبيض وقال : هذا ابني قد أخرجته إليكم خطيبا ليورد عليكم مما علَّمه اللَّه تعالى . فجلس على منبر أبيه وحمد اللَّه تعالى ووحّده ، ووصف عجائب خلقه وصنعه ؛ فسجدوا شكرا للَّه ، ونظروا إليه بعد ذلك

--> « 1 » سورة الأنبياء آية 79 .