النويري
66
نهاية الأرب في فنون الأدب
غزو أوريّاء وتقدّمه في الحرب وهلاكه . فلمّا بلغه قتله لم يجزع عليه ولم يتوجّع له كما [ كان « 1 » ] يجزع على غيره من جنده إذا هلك ، [ ووافق قتله مراده ، ثم تزوّج امرأته فعاتبه اللَّه على ذلك ؛ لأن ذنوب الأنبياء وإن صغرت « 2 » ] فهي عظيمة عند اللَّه تعالى . وقال بعضهم : ذنب داود أن أوريّاء كان قد خطب تلك المرأة ووطَّن نفسه عليها ، فلما غاب في غزاته خطبها داود ، فتزوّجت منه لجلالته ؛ فاغتمّ لذلك أوريّاء غمّا شديدا ، فعاتبه اللَّه تعالى على ذلك ، حيث لم يترك هذه الواحدة لخاطبها الأوّل ، وقد كانت عنده تسع وتسعون امرأة . قالوا : فلما علم داود أنه ابتلى سجد فمكث أربعين ليلة ساجدا باكيا حتى نبت الزرع من دموعه ، وأكلت الأرض من جبينه ، وهو يقول في سجوده : ربّ داود زل داود زلَّة أبعد مما بين المشرق والمغرب ، ربّ إن لم ترحم ضعف داود وتغفر ذنبه جعلت ذنبه حديثا في الخلوف من بعده . فجاء جبريل - عليه السلام - بعد أربعين ليلة فقال : يا داود ، إن اللَّه تعالى قد غفر لك الهمّ الذي هممت به . فقال داود : عرفت أن الربّ قادر على أن يغفر لي ، وقد عرفت أن اللَّه عدل لا يميل ، فكيف بفلان إذا جاء يوم القيامة فقال : يا ربّ ، دمى الذي عند داود ؟ فقال جبريل : ما سألت ربك عن ذلك ، ولئن شئت لأفعلنّ . قال نعم . فعرج جبريل - عليه السلام - وسجد داود فمكث ما شاء اللَّه ، ثم نزل جبريل فقال : قد سألت يا داود ربّك عن الذي أرسلتني فيه فقال : قل لداود : إن اللَّه يجمعكما يوم القيامة ، فيقول له : هب لي دمك الذي عند داود ؛ فيقول : هو لك يا ربّ ، فيقول : فإن لك في الجنة ما شئت وما اشتهيت عوضا .
--> « 1 » التكملة عن الثعلبي . « 2 » التكملة عن الثعلبي .