النويري
61
نهاية الأرب في فنون الأدب
ذكر خبر داود عليه السلام حين ابتلى بالخطيئة قال الثعلبىّ - رحمه اللَّه - : اختلف العلماء في سبب امتحان اللَّه تعالى نبيّه داود - عليه السلام - فقيل : إنه تمنّى يوما من الأيام على ربّه تعالى منزلة آبائه إبراهيم وإسحاق ويعقوب ، وسأله أن يمتحنه نحو الذي كان يمتحنهم به ، ويعطيه من الفضل نحو الذي أعطاهم . قال : وروى السّدّىّ والكلبىّ ومقاتل عن أشياخهم دخل حديث بعضهم في حديث بعض ، قالوا : كان داود - عليه السلام - قسم الدهر ثلاثة أيام « 1 » : يوما يقضى فيه بين الناس ، ويوما لعبادة ربّه ، ويوما يخلو فيه بنسائه وأولاده وأشغاله ؛ وكان يجد فيما يقرأ من الكتب فضل إبراهيم وإسحاق ويعقوب - عليهم السلام - فقال : يا ربّ إنّ الخير كلَّه ذهب به آبائي الذين كانوا من قبلي . فأوحى اللَّه تعالى إليه : أنهم ابتلوا ببلايا لم تبتل بها فصبروا عليها ؛ ابتلى إبراهيم بالنّمرود وبذبح ابنه ؛ وابتلى إسحاق بالذّبح وبذهاب بصره ، وابتلى يعقوب بالحزن على يوسف ، وإنك لم تبتل بشئ من ذلك . فقال داود عليه السلام : ربّ فابتلنى بمثل ما ابتليتهم وأعطنى مثل ما أعطيتهم . فأوحى اللَّه تعالى إليه : إنك مبتلى في شهر كذا في يوم كذا فاحترس . فلمّا كان ذلك اليوم الذي وعده اللَّه عز وجل دخل داود محرابه وأغلق بابه ، وجعل يصلَّى ويقرأ الزبور ، فبينا هو كذلك إذ جاءه الشيطان ، تمثّل له في صورة حمامة من ذهب ، فيها من كل لون حسن ؛ فوقعت بين رجليه ، فمدّ يده ليأخذها . وفى بعض الروايات : « ليدفعها إلى ابن له صغير » فلمّا أهوى إليها طارت غير بعيد من غير أن تؤيسه من نفسها ؛ فامتدّ إليها ليأخذها ، فتنحّت ، فتبعها فطارت حتى وقعت [ في كوّة « 2 » ] ، فذهب ليأخذها
--> « 1 » كذا في الثعلبي . وفى الأصلين : « أقسام » . « 2 » التكملة عن الثعلبي .