النويري

60

نهاية الأرب في فنون الأدب

ومنها : إلانة الحديد له . قال اللَّه تعالى : * ( وأَلَنَّا لَه الْحَدِيدَ أَنِ اعْمَلْ سابِغاتٍ وقَدِّرْ فِي السَّرْدِ ) * « 1 » . قالوا : وكان سبب ذلك أنّ داود - عليه السلام - لمّا ملك أمر بني إسرائيل ، كان من عادته أن يخرج للناس متنكَّرا ، فإذا رأى رجلا لا يعرفه تقدّم إليه وسأله ، فيقول له : ما تقول في داود واليكم هذا ؟ أىّ رجل هو ؟ فيثنون عليه ويقولون خيرا ؛ فبينما هو ذات يوم إذ قيّض اللَّه له ملكا في صورة آدمىّ ، فتقدّم داود إليه ، فسأله على عادته ، فقال له : نعم الرجل هو لولا خصلة فيه . فراع داود ذلك ، فقال : ما هي يا عبد اللَّه ؟ قال : إنه يأكل ويطعم عياله من بيت المال . قال : فتنبّه داود لذلك ، وسأل اللَّه تعالى أن يسبّب له سببا يستغنى به عن بيت المال ، فألان اللَّه له الحديد ، فصار في يده مثل الشّمع والعجين والطَّين المبلول ، فكان يصرّفه بيده كيف شاء من غير إدخال نار ولا ضرب بحديد . وعلَّمه اللَّه تعالى صنعة الدروع فهو أوّل من اتّخذها وكانت قبل ذلك صفائح . وقيل : إنه كان يبيع كل درع منها بأربعة آلاف ، فيأكل ويطعم عياله ويتصدّق منها على الفقراء والمساكين ، وذلك قوله تعالى : * ( وعَلَّمْناه صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ ) * « 2 » الآية . وقوله : * ( وأَلَنَّا لَه الْحَدِيدَ أَنِ اعْمَلْ سابِغاتٍ ) * أي دروعا كوامل واسعات * ( وقَدِّرْ فِي السَّرْدِ ) * ، أي لا تجعل المسامير دقاقا فتنفلق ، ولا غلاظا فتكسر الحلق . فكان يفعل ذلك حتى جمع منه مالا . وروى أنّ لقمان الحكيم رأى داود وهو يعمل الدّروع ، فعجب من ذلك ولم يدر ما هو ؟ فأراد أن يسأله ، فسكت حتى فرغ داود من نسج الدروع ، فقام وصبّها على نفسه وقال : نعم القميص هذا للرجل المحارب . فعلم لقمان ما يراد به ، فقال : الصمت حكمة وقليل فاعله . واللَّه أعلم .

--> « 1 » سورة سبأ آية 10 « 2 » سورة الأنبياء آية 80