النويري

50

نهاية الأرب في فنون الأدب

أعداء من المشركين غلف « 1 » فانطلق وجاهدهم ، فإذا قتلت منهم مائتي رجل وجئتني برؤسهم زوّجتك ابنتي . فأتاهم داود ، وجعل كلَّما قتل منهم رجلا احتزّ رأسه ونظمه في خيط حتى نظم رؤسهم فجاء بها إلى طالوت ، فألقاها إليه وقال : ادفع إلىّ امرأتي ، فزوّجه ابنته وأجرى خاتمه في ملكه ، فمال الناس إلى داود وأحبّوه وأكثروا من ذكره ، فوجد طالوت من ذلك في نفسه وحسده وأراد قتله . قال وهب بن منبّه : وكانت الملوك يومئذ يتوكَّأون على عصىّ فيغرزون في أطرافها أزجة من حديد ، وكان بيد طالوت منها واحدة ، في رأسها رمّانة من ذهب وفى أسفلها زجّ من حديد ، وداود جالس قريبا منه في ناحية البيت ، فرماه بها بغتة ليقتله بها ، فلمّا أحسّ داود بذلك حاد عن طريقها ، وأمال نفسه عنها من غير أن يبرح من موضعه ، فارتكزت في الجدار ، فقال له داود : عمدت إلى قتلى ؟ قال طالوت : لا ، ولكن أردت أن أقف على ثباتك في الطَّعان وربط جأشك للاقران . قال داود : فألفيته على ما قدّرته فىّ ؟ قال : نعم ، ولعلك فزعت . قال : معاذ اللَّه أن أخاف إلَّا اللَّه تعالى وأرجو إلا اللَّه ، ولا يدفع الشرّ إلا اللَّه . فانتزعها من الجدار ثم هزّها هزّة منكرة وقال له : أثبت كما ثبتّ لك ، فأيقن طالوت بالهلاك ؛ فقال له : أنشدك اللَّه والحرمة التي بيني وبينك إلَّا ما صفحت ؛ فقال داود : إن اللَّه تعالى كتب في التوراة أن اجز السيئة مثلها ، واحدة بواحدة والبادى أظلم ؛ فقال طالوت : ألا تقول قول هابيل لأخيه قابيل : * ( لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي ما أَنَا بِباسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخافُ الله رَبَّ الْعالَمِينَ ) * « 2 » . قال داود : قد عفوت عنك لوجه اللَّه تعالى .

--> « 1 » هذه عبارة الثعلبي في النسخة المطبوعة . وفى الأصلين : « وجئتني بغلفهم زوّجتك ابنتي ، فأتاهم داود وجعل كلما قتل منهم نظم غلفته في خيط حتى نظم غلفهم » والغلف جمع أغلف ، والأغلف : الذي لم يختن . « 2 » سورة المائدة آية 28