النويري

51

نهاية الأرب في فنون الأدب

فلبث طالوت زمنا يريد قتل داود ، فعزم على أن يأتيه ويغتاله في داره ، فأخبر بذلك بنت طالوت رجل يقال له : ذو العينين ، فقالت لداود : إنك مقتول الليلة ؛ قال : ومن يقتلني ؟ قالت : أبى ، وأخبرته الخبر وقالت : لا عليك أن تغيب الليلة حتى تنظر مصداق ذلك . فأخذ داود زقّ خمر فوضعه في مضجعه على السّرير وسجّاه ودخل تحت السّرير ودخل طالوت نصف الليل ، فعمد إليه فضربه ضربة بالسيف فسالت الخمر ، فلمّا وجد ريحها قال : رحم اللَّه داود ، ما كان أكثر شربه للخمر ، وخرج ، فلمّا أصبح علم أنه لم يصنع شيئا ، فقال : إنّ رجلا طلبت منه ما طلبت لخليق ألَّا يدعني حتى يطلب منى ثأره ؛ فاشتدّ حجّابه وحرّاسه وأغلق دونه الأبواب ، فأتاه داود ليلة وقد هدأت العيون وأعمى اللَّه الحجّاب عنه وفتح له الأبواب ، ودخل عليه وهو نائم على فراشه فوضع سهما عند رأسه وسهما عند رجليه وسهما عن يمينه وسهما عن شماله ثم خرج . فلمّا استيقظ طالوت بصر بالسهام فعرفها ، فقال : رحم اللَّه داود فهو خير منّى ، ظفرت به فقصدت قتله ، وظفر بي فكفّ عنّى ، لو شاء لوضع هذا السهم في حلقي وما أنا بالذي آمنه . فلمّا كانت الليلة القابلة أتاه ثانيا ، وأعمى اللَّه الحجّاب ، فدخل وهو نائم ، فأخذ إبريق طالوت الذي كان يتوضّأ به وكوزه الذي يشرب منه ، وقطع شعرات من لحيته وشيئا من هدب ثيابه ، ثم خرج وهرب وتوارى ؛ فلمّا أصبح ورأى ذلك نصب على داود العيون وطلبه أشدّ الطلب فلم يقدر عليه ، ثم ركب طالوت يوما فوجد داود يمشى في البرّيّة فقال : اليوم أقتل داود ، وكان داود إذا فرّ لم يدرك ، فركض داود حتى دخل غارا ، فأمر اللَّه العنكبوت أن تنسج ، فنسجت عليه بيتا ، وجاء طالوت إلى الغار فنظر إلى بيت العنكبوت فقال : لو كان هاهنا لخرق بيت العنكبوت ، فتركه ومضى ، وانطلق داود إلى الجبل ومعه المتعبّدون ، فجعل يتعبّد فيه .