النويري

49

نهاية الأرب في فنون الأدب

ثم ناداه حجر آخر : خذني فأنا حجر أبيك يعقوب . فأخذه وسار حتى أتى العسكر ، فنزل على إخوته ، فلمّا كان من الغد تهيّأ الجيشان للمحاربة ، فقال طالوت : أيها الناس ، من كفاني منكم أمر جالوت زوّجته ابنتي ، وأشركته في ملكي ، وجعلته خليفتي من بعدى . فلم يجبه أحد إلَّا داود ؛ فخلع عليه وأركبه وطاف به في معسكره ؛ فلمّا كان من الغد ركبوا ، وأقبل جالوت بجيوشه وهو على فيل ، وكان طوله ثمانية عشر ذراعا ، وطول داود عشرة أذرع ، فقال المؤمنون : * ( رَبَّنا أَفْرِغْ عَلَيْنا صَبْراً ) * « 1 » الآية . فبرز جالوت بين الصفّين فبرز له داود ، فقال له جالوت : إنك صغير ولا سلاح معك فارجع ، فأبى ذلك ، وأخذ تلك الأحجار فوضعها في مقلاعه ورمى بها ، فوقع أحدها بميمنة جالوت فهزمها ، والثاني في الميسرة فانهزموا ، والثالث وقع على أنف بيضة جالوت فخرج من قفاه ، فسقط جالوت ميّتا ، وانهزم أصحابه . قالوا : ولمّا قتل داود جالوت ذكر الناس داود وعظم في أنفسهم ، فجاء إلى طالوت وقال له : أنجز لي ما وعدتني ، وأعطنى امرأتي . فقال له طالوت : أتريد ابنة الملك بغير صداق ، عجّل صداق ابنتي وشأنك بها . فقال له داود : ما شرطت علىّ صداقا ، وليس لي شئ ، فتحكَّم في الصداق « 2 » ما شئت وأقرضنى مهرها وعلىّ الأداء والوفاء لك . فقال طالوت : أصدقها نصيبك من الملك . فقالت بنو إسرائيل : لا تظلمه وأنجز له ما وعدته به . فلمّا رأى طالوت ميل بني إسرائيل إلى داود وحسن رأيهم فيه قال : لا حاجة لابنتي في المال ، ولا أكلَّفك إلَّا ما تطيق ، أنت رجل جرىء ، وفى جبالنا

--> « 1 » سورة البقرة آية 250 « 2 » عبارة الأصول : « فتحكم من الصداق ما شئت » وعبارة الثعلبي : « فتحكم في الصداق بما تريد » .