النويري
44
نهاية الأرب في فنون الأدب
ذكر مسير طالوت بالجنود وخبر النهر الذي ابتلوا به قالوا : فلمّا أقرّوا بملك طالوت سألوه أن يغزو بهم ، وهم يومئذ سبعون ألف مقاتل . وقيل : ثمانون ألفا لم يتخلَّف عنه إلَّا كبير لهرمه أو مريض لمرضه أو ضرير لضرّه أو معذور لعذره ؛ وذلك أنهم لما رأوا التابوت قالوا : قد أتانا التابوت ، وهو النصر لا شكّ فيه ؛ فسارعوا إلى الجهاد ، فقال طالوت : لا حاجة لي في كل ما أرى ، لا يخرج معي رجل بنى بناء لم يفرغ منه ، ولا صاحب تجارة مشتغل بها ، ولا رجل عليه دين ، ولا رجل تزوّج بامرأة ولم يبن بها ؛ ولا يتبعني إلَّا الشابّ النشيط الفارع « 1 » . فاجتمع له ثمانون ألفا على شرطه - وكانوا في حرّ شديد - فشكوا قلَّة المياه فيما بينهم وبين عدوّهم ، وقالوا : إنّ المياه لا تحملنا ، فادع اللَّه تعالى أن يجرى لنا نهرا . فقال لهم طالوت : * ( إِنَّ الله مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْه فَلَيْسَ مِنِّي ) * أي من أهل ديني وطاعتي ؛ * ( ومَنْ لَمْ يَطْعَمْه فَإِنَّه مِنِّي ) * ؛ ثم استثنى فقال : * ( إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِه ) * . قال الكسائىّ : لمّا سألوه أن يجرى لهم نهرا قال : أفعل - إن شاء اللَّه - وسار بهم حتى إذا كانوا في بريّة وفقدوا الماء وأجهدهم العطش ، أتوه ، فدعا أن يجرى اللَّه تعالى لهم نهرا ؛ فأوحى اللَّه إليه ما أخبر به في كتابه ؛ قال اللَّه تعالى : * ( فَلَمَّا فَصَلَ طالُوتُ بِالْجُنُودِ قالَ إِنَّ الله مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ ) * « 2 » الآية . قال : وهو نهر الأردنّ من بلاد فلسطين . وقال الثعلبىّ : قال ابن عبّاس والسّدّىّ : هو نهر فلسطين . وقال قتادة والربيع : هو نهر بين الأردنّ وفلسطين ، عذب . قال الكسائىّ : قالوا : وما تغنى عنّا الغرفة ثم عرض لهم النهر فانهمكوا في شربه . قال اللَّه تعالى : * ( فَشَرِبُوا مِنْه ) *
--> « 1 » الفارع : المرتفع الهيّىء الحسن . « 2 » سورة البقرة آية 249 .