النويري
32
نهاية الأرب في فنون الأدب
وأخذوا توراتهم ، ومكثوا على اضطراب من أمرهم واختلاف من حالهم يتمادون أحيانا في غيّهم وضلالتهم ، فسلَّط اللَّه عليهم من ينتقم منهم ليراجعوا التوبة ، حتى بعث اللَّه تعالى فيهم طالوت ملكا . وكانت مدّة ما بين وفاة يوشع بن نون إلى نبوّة أشمويل أربعمائة سنة وستّين سنة ، وكان آخر ملوكهم في هذه المدّة رجل يقال له « إيلاف » وكان يدبّر أمرهم في ملكه شيخ يقال له « عيلى » الكاهن ، وكان حبرهم وصاحب قربانهم ، وكانوا ينتهون إلى رأيه . ذكر ابتداء أمر أشمويل وكيف كانت نبوّته قال الثعلبىّ قال وهب : كان لأبى أشمويل امرأتان ، إحداهما عجوز عاقر لم تلد ، وهى أمّ أشمويل ، والأخرى ولدت عشرة أولاد . وكان لبنى إسرائيل عيد من أعيادهم قد قاموا بشرائطه وقرّبوا فيه القرابين ، فحضر أبو أشمويل وامرأتاه وأولاده العشرة ذلك العيد ، فلمّا قرّبوا قربانهم أخذ كلّ واحد منهم نصيبه ، فكان لأمّ الأولاد عشرة أنصباء ، وللعجوز نصيب واحد ، فعمل الشيطان بينهما ما يعمل بين الضرائر من الحسد والبغي ، فقالت أمّ الأولاد [ للعجوز « 1 » ] : الحمد للَّه الذي كثّرنى بولدي وقلَّلك ، فوجمت العجوز وجوما شديدا . فلمّا كان عند السّحر عمدت العجوز إلى متعبّدها فقالت : اللهمّ بعلمك وسمعك كانت مقالة صاحبتي واستطالتها علىّ بنعمتك التي أنعمت عليها ، وأنت ابتدأتها بالنعمة والإحسان ، فارحم ضعفي وارحمني وارزقني ولدا تقيّا رضيّا أجعله لك ذخرا في مسجد من مساجدك ، يعبدك ولا يكفرك ، ويطيعك ولا يجحدك . وإذا رحمت ضعفي ومسكنتي وأجبت دعوتي ، فاجعل لها علامة أعرفها بها . فلمّا أصبحت حاضت وكانت من قبل قد يئست من الحيض ، فألمّ بها زوجها ، فحملت وكتمت أمرها ، ولقى بنو إسرائيل
--> « 1 » زيادة عن الثعلبي .