النويري
16
نهاية الأرب في فنون الأدب
أو غيرها ، فكانت تبرز للناس كما يبرز زوجها وتركب كما يركب ، وتجلس في مجلس القضاء فتقضى بين الناس ، وكانت قتّالة للأنبياء ، وكان لها كاتب وهو مؤمن حكيم يكتمها إيمانه ، وكان الكاتب قد خلَّص من يدها ثلاثمائة نبىّ كانت تريد قتل كلّ واحد منهم إذا بعث ، سوى الذين قتلتهم ممن يكثر عددهم ؛ وكانت في نفسها غير محصنة ولم يكن على وجه الأرض أفحش منها ، وهى مع ذلك قد تزوّجت سبعة ملوك من ملوك بني إسرائيل وقتلتهم كلَّهم بالاغتيال ؛ وكانت معمّرة حتى يقال : إنها ولدت سبعين ولدا . وكان لآجاب هذا جار من بني إسرائيل رجل صالح يقال له « مزدكي » وكانت له جنينة يعيش منها ويقبل على عمارتها ومرمّتها ، وكانت الجنينة إلى جانب قصر الملك وامرأته ، فكانا يشرفان على تلك الجنينة ويتنزّهان فيها ، ويأكلان ويشربان ويقيلان فيها ، وكان « آجاب » في ذلك يحسن جوار « مزدكي » صاحبها ويحسن إليه ، وامرأته « أرايل » تحسده على ذلك لأجل تلك الجنينة ، وتحتال في أن تغتصبها منه لمّا تسمع الناس يذكرون « 1 » الجنينة ، ويتعجّبون من حسنها ويقولون : ما أحرى أن تكون هذه الجنينة لأهل هذا القصر ، ويتعجّبون من الملك وامرأته كيف لم يغصباها صاحبها . فلم تزل المرأة تحتال على العبد الصالح « مزدكي » أن تقتله وتأخذ جنينته ، والملك ينهاها عن ذلك . ثم اتفق خروج الملك إلى سفر بعيد وطالت غيبته ، فاغتنمت المرأة غيبة الملك واحتالت على « مزدكي » صاحب الجنينة ، وهو غافل عما تريد مقبل على عبادة ربه وإصلاح جنينته ، فجمعت « أرايل » جمعا من الناس وأمرتهم أن يشهدوا على « مزدكي » أنه سبّ زوجها الملك « آجاب » ، فأجابوها إلى ملتمسها من الشهادة عليه ، وكان حكمهم في ذلك
--> « 1 » في الأصل : « يذكرون من ذكر الجنينة » . وعبارة الثعلبي : « وامرأته أربيل تحسده على ذلك لأجل تلك الجنينة وتحتال على غصبها لما سمعت الناس يذكرون الجنينة من حسنها » .