النويري

17

نهاية الأرب في فنون الأدب

الزمان على من سبّ الملك القتل إذا قامت البيّنة عليه بذلك . فأحضرت « مزدكي » وقالت : بلغني أنك سببت الملك وعبته ، فأنكر ذلك . فقالت : إنّ عليك شهودا ، وأحضرت الشهود فشهدوا عليه بحضرة الناس ، فأمرت بقتل « مزدكي » ، فقتل وأخذت جنينته غصبا ، فغضب اللَّه - عزّ وجل - عليهم للعبد الصالح . فلمّا قدم الملك من سفره قال لها : ما وفّقت وما أصبت ، ولا أرانا نفلح بعده أبدا ، وإن كنّا عن جنينته لأغنياء ، قد كنّا نتنزّه فيها ، وقد جاورنا وتحرّم بنا منذ زمان طويل ، فأحسنّا جواره ، وكففنا عنه الأذى لوجوب حقّه علينا ، فختمت أمره بأسوأ حال الجوار . وما حملك على اجترائك عليه إلَّا سفهك وسوء رأيك وقلَّة عقلك وقلَّة تفكَّرك في العواقب . فقالت : إنما غضبت لك وحكمت بحكمك . قال : أو ما كان يسعه حلمك ويحدوك عظم خطرك على العفو عن رجل واحد فتحفظين له جواره ! . قالت : قد كان ما كان . فبعث اللَّه تعالى إلياس - عليه السلام - إلى « أجاب » الملك وقومه ، وأمره أن يخبرهم أنّ اللَّه تعالى قد غضب لوليّه حين قتلوه بين أظهرهم ظلما ، وآلى على نفسه أنهما إن لم يتوبا عن صنيعهما ولم يردّا الجنينة على ورتة « مزدكي » أن يهلكهما ، يعنى « آجاب » وامرأته ، في جوف الجنينة أشرّ ما يكون بسفك دمهما ، ثم يدعهما جيفتين ملقاتين فيها حتى تتعرّى عظامهما من لحومهما ، ولا يمتّعان بها إلا قليلا . قال : فجاء إلياس - عليه السلام - إلى الملك وأخبره بما أوحى اللَّه - عزّ وجل - إليه في أمره وأمر امرأته والجنينة . فلمّا سمع الملك ذلك اشتدّ غضبه عليه ، ثم قال له : يا إلياس ، واللَّه ما أرى ما تدعونا إليه إلَّا باطلا ، واللَّه ما أرى فلانا وفلانا - سمّى ملوكا منهم قد عبدوا الأوثان - إلَّا على مثل ما نحن عليه ، يأكلون ويشربون