النويري
13
نهاية الأرب في فنون الأدب
ما عندهم حتى نفد ، ثم أكلوا المواشي حتى أكلوا الكلاب والسنانير والفيران ، وبلغ بهم الجوع حتى كانوا يأكلون من مات منهم ، وإلياس بينهم وهم لا يرونه ، ويدعونه وهو لا يجيبهم ، وكان اللَّه تعالى قد جعل أمر أرزاقهم إليه ، فأوحى اللَّه إليه أن السماء والأرض ومن عليها قد بكت على هؤلاء ، وقد هلك كثير من خلقي بسببهم ، وكلّ يدعوك ولا ترحمهم ، فأنصف خلقي يا إلياس ، فإني أعصى فأرزق ، وأكفر فأحلم . ففزع إلياس وقال : يا ربّ ما غضبت إلَّا لك ، وأنت أعلم بمصالح عبادك . فأوحى اللَّه اليه أن سر إليهم وادعهم ، فإن آمنوا وإلَّا كنت أرأف بهم منك . قال : فانطلق إلياس حتى صار إلى أوّل قرية من قرى مدينتهم ، فمرّ بعجوز فقال لها : هل عندك طعام ؟ فقالت : وحقّ إلهي بعل ما ذقت الخبز منذ مدّة . قال : فهلَّا تؤمنين باللَّه ! فقالت : إنّ ابني اليسع على دين إلياس ، ولا أراه ينتفع به وقد أشرف على الموت من الجوع . فقال له إلياس : يا اليسع ، أتحبّ أن تأكل الخبز ؟ فصاح : كيف لي بالخبز ! ومات ؛ فبكت العجوز ولطمت . فقال لها : إن أحياه اللَّه وجاءك بما تأكلين أتؤمنين باللَّه ؟ قالت نعم . فدعا اللَّه تعالى ، فقام اليسع وهو يشهد أن لا إله إلا اللَّه وأن إلياس رسول اللَّه ، ورزقهم اللَّه تعالى خبزا ولبنا ، فأكلوا ، وآمنت العجوز ، وخرجت تنذر قومها ، فخنقوها فماتت ، فاغتمّ اليسع لذلك . فقال له إلياس : إن اللَّه سيحييها ويجعلكما آية لقومكما . وخرج إلياس إلى قومه وقد اجتمعوا عليها يريدون أكلها ؛ فصاح بهم ، فتفرّقوا عنها وقالوا : إنك أنت إلياس حقّا ، فدعا اللَّه تعالى فأحياها ، فأقبل القوم عليه وقالوا : ألا ترى ما نحن فيه منذ سبع سنين ! قال : فهلَّا دعوتم صنمكم بعلا ليكشف عنكم ! قالوا : قد دعوناه فلم يغن شيئا . قال : فإن أغاثكم اللَّه تعالى أتؤمنون ؟ قالوا نعم . فسأل اللَّه تعالى فأمطرهم ، وجرت أنهارهم وأنبتت أرضهم ، وأحيا اللَّه من مات منهم من الجوع ،