النويري

52

نهاية الأرب في فنون الأدب

الأصنام ؛ وكان فيهم رجل من أشرافهم اسمه الخلود بن معيد بن عاد ، وكان له بسطة في الخلق وقوّة في الجسم ، مع الحسن والفصاحة ؛ وكان إذا قيل له : لم لا تتزوّج وقد بلغت سنّ أبيك ؟ يقول : رأيت في المنام كأن سلسلة بيضاء قد خرجت من ظهري ، ولها نور كالشمس ، وقيل لي : إذا رأيت هذه السلسلة قد خرجت من ظهرك ثانية فتزوّج بالتي تؤمر بتزوّجها ؛ ولم أرها بعد ، وقد عزمت على التزوّج . وقام ليعبر بيت الأصنام يدعو بالتوفيق في التزوّج ، فلما همّ بالدخول لم يقدر ، وسمع هاتفا يقول : يا خلود ، ما لمن في ظهرك والأصنام ؟ فلم يعد إليها . ثم رأى بعد ذلك في منامه السلسلة وقد خرجت من ظهره وقائلا يقول : « قم يا خلود فتزوّج بابنة عمك » فانتبه وخطبها وتزوّجها ، وواقعها فحملت بهود ؛ وأصبح القوم وهم يسمعون من جميع النواحي : هذا هود قد حملت به أمّه ، ويلكم ، إن لم تطيعوه هلكتم . ووضعته أمّه في ليلة الجمعة ، فوقعت الرّعدة على قبائل عاد ، ولم يعلموا ما حالهم ؛ فعلموا أنه قد ولد لخلود ولد ، فقال بعضهم لبعض : ليكونن لهذا الولد شأن فاحذروه . فخرج أحسن الناس وجها ، وأكملهم عقلا ، وسمّته أمّه عابر ، فرأته أمّه ذات يوم يصلَّى ، فقالت : لمن هذه العبادة يا بنىّ ؟ قال : للَّه الذي خلقني وخلق الخلق . قالت : أليس هي لأصنامنا ؟ قال : إنّ أصنامكم لا تضرّ ولا تنفع وإنما الشيطان قد زين لكم عبادتها . قالت : اعبد إلهك يا بنىّ ، فقد رأيت منك حين كنت حملا وطفلا عجائب كثيرة . ذكر مبعث هود عليه السلام قال : ولم يزل هود في ديار قومه يجادلهم في أصنامهم ، حتى أتت عليه أربعون سنة ؛ فبعثه اللَّه - عزّ وجلّ - إلى قومه رسولا ، وأتاه الوحي ، فانطلق إليهم وهم