النويري

53

نهاية الأرب في فنون الأدب

متفرّقون في الأحقاف ، وهى الرمال والتّلال - وكانت مساكنهم ما بين عمان إلى حضرموت إلى الأحقاف إلى عالجة - فأتاهم في يوم عيد لهم وقد اجتمع الملوك على الأسرّة والكراسىّ ، وملكهم الخلجان على سرير من ذهب وهو متوّج وقد أحدقت به قبائل عاد ، وهم في اللهو والطرب ؛ فلم يشعروا إلا وهود * ( قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا الله ما لَكُمْ مِنْ إِله غَيْرُه إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُفْتَرُونَ ) * وهذه الأصنام التي تعبدونها هي الَّتى أغرقت قوم نوح ، ولستم أكرم على ربّكم منهم ؛ فآستغفروا ربّكم من عبادة هذه الأصنام . والأصنام ترتجّ ؛ فقال له ملكهم : ويحك يا هود ، أقبل إلىّ . فتقدّم إليه ، فلما صار بين يدي الملك صاح صيحة أجابه الوحش والسباع : أبلغ « 1 » ولا تخف . فامتلأت قلوب الناس خوفا ، فقام إليه رجل منهم وقال : يا هود ، صف لنا إلهك . فوصف عظمة اللَّه ، وأنه * ( لَيْسَ كَمِثْلِه شَيْءٌ ) * - وكان الذي سأله عمرو بن الحلى - فلمّا فرغ من كلامه قال له الملك : يا هود ، أتظن أنّ إلهك يقدر علينا وهذه كثرة جموعنا وشدّة قوّتنا ؟ قال اللَّه تعالى : * ( أَولَمْ يَرَوْا أَنَّ الله الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً ) * . فأوّل من آمن بهود رجل من قومه يقال له جنادة بن الأصمّ وأربعون من بنى عمّه ؛ ثم انصرف إلى منزله . فلمّا كان من الغد أقبل جنادة وبنو عمّه حتى وقفوا على جماعة من سادات قومه ، فقال : يا قوم لا تمنعكم مرارة الحق أن تقبلوه ، ولا حلاوة الباطل أن تتركوه ؛ وهذا ابن عمّكم هود قد عرفتم صدقه ، وقد أتاكم من عند اللَّه رسولا وواعظا فاتقوا اللَّه وأطيعوه . وحذّرهم ، فحصبوه وشتموه ، فرجع إلى هود .

--> « 1 » في ( ج ) : « أقبل » .