النويري
37
نهاية الأرب في فنون الأدب
وكان يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر هو وأولاده ، حتى عمرت الدنيا ؛ وأنزل اللَّه تعالى على شيث خمسين صحيفة ، فكانوا يقرأونها ويعملون بما فيها من غير عداوة ولا تباغض ولا تحاسد ولا فسق بينهم ؛ وكان إبليس يحسد شيئا وأولاده ، فأقبل إبليس إليه في صورة امرأة حسناء ، فقال لها : من أنت ؟ قالت : امرأة أرسلني اللَّه إليك لتتزوّج بي ، ولست من بنات آدم . فقال : إن ربى لم يأمرني بذلك ولا أخبرني عنك ، وما أظنك إلا إبليس . فضحك وقال : إنما أنا امرأة من نساء الجنة ، ولا تعص ربّك وتزوّج بي ؛ وجعل إبليس يتزيّن له حتى كاد يفتنه ؛ فنادته الملائكة : يا نبىّ اللَّه ، إنه عدوّك إبليس . فقبض شيث عليه وهمّ بقتله ؛ فقال : خلّ عنّى فإني من المنظرين ، ولكن أعطيك الميثاق أنّى لا أتعرّض إليك بعدها . فأطلقه ولم يعد إليه . وولد لشيث ( أنوش ) على طوله وحسنه ؛ فجعله شيث مكانه والخليفة من بعده ، وسلَّم إليه التابوت ، وأوصاه بقتال أولاد قابيل . ومات شيث وله سبعمائة سنة وعشرون سنة . وقيل : بل عاش بعد آدم مائتي سنة ، وعهد إلى ابنه ( أنوش ) فقام على أولاده بالطاعة ثلاثمائة عام . وعهد من بعده إلى ابنه ( قينان ) ، فعمّر بعد أبيه مائتين وخمسين سنة . وعهد إلى ابنه ( مهلائيل ) ، وكثر في زمانه بنو آدم ، وكان منزلهم الحرم فضاق بهم ، فقسّم الأرض بينهم خمسة أقسام ، وأرسل خمسة نفر من صلحاء قومه يقيمون لهم شرائع آدم - عليه السلام - ويتولَّون الحكومة بينهم ، وهم ودّ وسواع ويغوث ويعوق ونسر ، وهؤلاء الذين لمّا فقدوا بلغ من وجد قومهم