النويري
38
نهاية الأرب في فنون الأدب
عليهم أن جعلوا لهم تماثيل يتسلَّون بها ؛ وترامى الأمر إلى أن عبدها القرن الذي تلاهم ، فكان ذلك هو السبب لعبادة الأوثان . ثم قام بالأمر بعد ( مهلائيل ) ابنه ( أخنوخ ) ، وهو إدريس . الباب الثالث من القسم الأوّل من الفنّ الخامس في أخبار إدريس النبي - عليه السلام - واسمه أخنوخ ، وإنما سمّى إدريس لكثرة دراسته الكتب ؛ وهو أوّل من بعث من بني آدم ؛ وهو أوّل من خطَّ بالقلم بعد شيث ، وأوّل من كتب في الصحيفة ؛ وكان مشتغلا بالعبادة ومجالسة الصالحين حتى بلغ فآنفرد للعبادة ، فجعله اللَّه تعالى نبيّا ، وأنزل عليه ثلاثين صحيفة ، وورّثه صحف شيث وتابوت آدم . وكان يعيش من كسب يده ؛ وكان خيّاطا ، وهو أوّل من خاط الثياب ولبسها وكانوا قبل ذلك يلبسون الجلود ، حتى أتت عليه أربعون سنة ، فبعثه اللَّه تعالى إلى أولاد قابيل ، وكانوا جبابرة ، وقد اشتغلوا باللَّهو والغناء والمزامير والطنابير وغير ذلك ، وعبدوا الأصنام ؛ وكان إدريس يدعوهم ثلاثة أيّام ، ويعبد اللَّه أربعة . وحكى عن وهب أنّه أوّل من اتّخذ السلاح ، وجاهد في سبيل اللَّه ، ولبس الثياب ، وأظهر الأوزان والأكيال ، وأنار علم النجوم . وكان إدريس شديد الحرص على دخول الجنة ، وكان قد رأى في الكتب أنّه لا يدخلها أحد دون الموت ، فبينما هو يسبح في عبادته إذ عرض له ملك الموت في صورة رجل في نهاية الجمال ؛ فقال له إدريس : من أنت ؟ قال : عبد من عبيد اللَّه أعبده كعبادتك . واصطحبا ، فكان إدريس يأكل من رزق اللَّه ، وهو لا يطعم شيئا ؛ فسأله عن ذلك ؛ فأخبره أنه ملك الموت ؛ فقال له : جئت لقبض