النويري

29

نهاية الأرب في فنون الأدب

جبّتين بغير كمّين ، وكساءين ، فاكتسى كلّ واحد منهما جبّة وكساء ، فلما مسّت جلَّدهما خشونة الصوف بكيا شوقا إلى السندس والإستبرق ؛ فقيل لهما : « هذا لباس أهل الطاعة في الدنيا » . وجىء بالأشجار التي ذكرناها في الفن الرابع من هذا الكتاب ، وهو فنّ النباتات ؛ وقد قدّمنا ذكرها فيما سلف منه . وعن كعب أن الذي جاء بالحبّ ميكائيل ، لأنّه الموكَّل بالحبّ والقطر والنبات . قال : فقام آدم فعقد النّير على عنقي الثورين ؛ ثم حرث وبذر ، وكان يقف على الزرع ويقول : متى يدرك ؟ . فيسمع هاتفا يقول : * ( ( خُلِقَ الإِنْسانُ مِنْ عَجَلٍ ) ) * ؛ وكان الزرع في طول النخل ، والسنبلة في طول مائة ذراع ، بيضاء كالفضّة . قال كعب : فلمّا استحقّ الزرع كان آدم يحصد ، وحوّاء تجمع ؛ ثم علَّم آدم الدّراسة والتذرية والطحن والعجن والخبز ؛ ثم أكلا وشربا فأصابتهما النفخة والقرقرة في بطونهما ؛ فتجشّأ آدم جشاء متغيّرا ، وتغيّر عليه بدنه وثقل ؛ فلمّا ثقلت عليهما بطونهما أمرهما الملك أن يتبرّزا إلى الصحراء لقضاء الحاجة ؛ فلمّا رأيا ذلك من أنفسهما بكيا بكاء شديدا ، وقالا : « هذا الذي أورثنا ذنبنا » . ثم أمرهما الملك أن يمسحا بالمدر ، ثم يغتسلا بالماء ؛ ثم علَّمهما الوضوء فتوضا وضوء الإسلام ؛ ثم أمرهما بالصلاة ، فكان أوّل صلاة صلَّاها آدم الظهر . وكان آدم ربّما اشتغل عن صلاته ولا يعرف الأوقات ، فأعطاه اللَّه ديكا ودجاجة ، فكان الديك أبيض أفرق « 1 » أصفر الرجلين ، كالثور العظيم ، وكان يضرب بجناحه عند أوقات الصلاة ويقول : سبحان من يسبّحه كلّ شئ سبحان اللَّه وبحمده ، يا آدم : الصلاة يرحمك اللَّه .

--> « 1 » الديك الأفرق : ذو العرفين ، أي إن عرفه مفروق .