النويري

22

نهاية الأرب في فنون الأدب

قال كعب : أهبط آدم إلى بلاد الهند على جبل من جبالها يقال له ( بوذ ) وهو جبل محيط بأرض الهند ؛ وأهبطت حوّاء بجدّة ، وإبليس بدستميسان « 1 » ، والحيّة أصفهان ، والطاوس بالبحر ؛ ففرّق اللَّه بينهم فلم ير بعضهم بعضا حينا ، ولم يكن على آدم يوم أهبط إلَّا ورقة من أوراق الجنة ، فذرتها الرياح في بلاد الهند فصارت معدنا للطيّب . وأخذ آدم في البكاء مائة عام حتى نبت من دموعه العود والزنجبيل والصندل والكافور وأنواع الطيّب ، وامتلأت الأودية بأطيب الأشجار ؛ وبكت حوّاء فنبت من دموعها القرنفل والأفاوية ؛ وكانت الريح تحمل كلامه إليها وكلامها إليه . ثم أنبت اللَّه - عزّ وجلّ - لآدم الشّعر واللَّحية ، وكان قبل ذلك أمرد وجسده كالفضّة ، فتألَّم لذلك ألما شديدا . قال وهب : أوّل من علم بهبوط آدم من حيوان الأرض النّسر ، وكان قد ألف الحوت ، فجاء إليه وقال له : إني رأيت اليوم خلقا عظيما ينقبض وينبسط ، ويقوم ويقعد ، ويجىء ويذهب . فقال الحوت : إن كان ما تقوله حقّا فقد حان ألَّا يكون لي معه مقرّ في البحر ولا لك في البرّ ، وهذا الوداع بيني وبينك . فجاء النّسر إلى آدم وألفه ، وجاءه الوحش والطير وألفوه وبكوا لبكائه دهرا طويلا ، فلمّا أضجرهم ذلك نفروا عنه ولم يبق عنه إلَّا النّسر وحده وهو لا يفتر عن البكاء . قال وهب : بكى آدم حتى بكت الملائكة لبكائه وقالوا : « إلهنا أقله عثرته » .

--> « 1 » دستميسان : كورة بين واسط والبصرة والأهواز .