النويري
23
نهاية الأرب في فنون الأدب
قال : وبقى من دموعه في الأرض - بعد أن كفّ عن البكاء - ما شربه الوحش والطير والهوامّ مائة عام ؛ وكان لدموعه رائحة كالمسك ، ولذلك كثر الطيّب في الهند . وقال كعب : بكى آدم ثلاثمائة عام لا يرفع رأسه إلى السماء وهو يقول : « إلهي بأىّ وجه أنظر إلى السماء » . فألهم اللَّه سائر الحيوانات أن تأتى لآدم وتعزّيه في مصيبته ، فعزّاه جميعها ونهته عن البكاء ، وأمرته بالتسبيح والتقديس . ذكر توبة آدم عليه السلام قال : فعند ذلك أمر اللَّه تعالى جبريل أن يهبط على آدم ، وقال له : « إن آدم بديع فطرتى قد أبكى أهل سمواتى وأرضى ، ولا يذكر غيرى ، ولم يخف سواي ، وهو أوّل من حمدني ، وأوّل من دعاني بأسمائى الحسنى ، وأنا الرحمن الَّذى سبقت رحمتي غضبى ، وهذه الكلمات قد خصصت بها آدم لتكون له توبة ، وتخرجه من الظلمات إلى النور » . فهبط عليه جبريل بالكلمات ولها نور عظيم ، فقال : « السلام عليك يا طويل البكاء والحزن » ؛ فلم يسمعه آدم لغليان صدره ؛ فناداه بصوت رفيع : السلام عليك يا آدم . وأمرّ جناحه على صدره ووجهه حتى هدّأ من بكائه ، وسمع الصوت فقال : أبنداء السّخط تنادى ، أم بنداء الإحسان والغفران ؟ قال : بل بنداء الرحمة والغفران ، يا آدم : لقد أبكيت ملائكة السماوات والأرض ، فدونك هذه الكلمات ، فإنّها كلمات الرحمة والتوبة . قال كعب : كانت الكلمات ما قالها يونس في ظلمات ثلاث : * ( ( لا إِله إِلَّا أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ ) ) * . وقال عبد اللَّه بن عمرو بن العاص - رضى اللَّه عنهما - كانت : * ( ( رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا وإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وتَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ ) ) * .