النويري
54
نهاية الأرب في فنون الأدب
ثم يؤخذ تور « 1 » مكَّىّ أو زبديّة « 2 » صينىّ ، فيجعل في أيّهما حضر من البان الجيّد النادر قدر الكفاية ، ويقطَّع فيه من العنبر الشّحرىّ الأزرق الدّسم خمسون مثقالا وترفع الزّبديّة بما فيها من البان والعنبر على نار فحم ليّنة لا دخان لها ولا رائحة فتفسده ، ويحرّك بملعقة من ذهب أو فضة حتى يذوب العنبر ، ثم ينزله عن النار ، فإذا فتر طرح المسك فيه ، ويضرب باليد ضربا جيّدا حتى يصير جزءا واحدا ، ثم يرفع ذلك في إناء من الذهب أو الفضّة ، وليكن ضيّق الرّأس ليمكن تصميمه ، أو في برنيّة زجاج نظيفة ، ويسدّ رأسها بصمامة حرير صينىّ محشوّة بالقطن ، لئلَّا يتصاعد ريحها . قال : فهذه أجود الغوالي كلَّها ، وإن جعل العنبر نظير المسك فلا بأس . وهذه الغالية المتساوى فيها المسك والعنبر كانت تعمل لحميد الطَّوسىّ « 3 » ؛ وكانت تعجب المأمون جدّا ؛ وكانت هذه الغالية تعمل لأمّ جعفر ، إلَّا أنّهم كانوا يضيفون إلى البان نظير ربعه من دهن الزّنبق « 4 »
--> « 1 » التور : إناء من صفر أو حجارة كالإجانة ؛ قيل : هو عربى ؛ وقيل : دخيل . « 2 » كذا ضبط صاحب التاج في مستدركه الزبدية بالكسر ، وقال : « هي صحفة من فخار ، والجمع الزبادى » اه ولم يذكر وجه النسبة في هذا اللفظ ، ويبعد نسبتها إلى زبد اللبن لأنه بالضم ، إلا أن يكون لفظ الزبدية من كلام العامة ؛ ولم ينبه عليه صاحب التاج لشهرته ؛ وإذن فتصح نسبتها إلى زبد اللبن ، لأن العامة ينطقونه بالكسر . « 3 » الأمير حميد الطوسي هو ابن عبد الحميد ، وكنيته أبو غانم . وفى النجوم الزاهرة ج 2 ص 190 الطبعة الأولى أنه كان من كبار قوّاد المأمون ، وكان جبارا ، وفيه قوّة وبطش وإقدام ؛ وكان المأمون يندبه للمهمات . وكانت وفاته يوم عبد الفطر سنة عشر ومائتين . « 4 » في قاموس الأطباء أن الزنبق هو الياسمين الأبيض . قال الأزهري : وأهل العراق يقولون لدهن الياسمين : دهن الزنبق . وفى المادة الطبية ج 2 ص 170 أن اسم الزنبق باللسان الافرنجى « ليلاس قمون » ، وهو من الفصيلة الياسمينية . قال : والنوع المقصود لنا ( أي من أنواع الزنبق ) شجيرة جميلة استنبتت بكثرة في بساتين أوروبا ؛ وأصلها من فارس وبلاد المشرق بالنسبة لأوربا ، وهى تعلو من عشر أقدام إلى اثنتي عشر بل أكثر ، والأوراق متقابلة ذنيبية ؛ قلبية الشكل ، حادة كاملة جدا ، عديمة الزغب من وجهيها ؛ والأزهار بنفسجية زاهية جدا بحيث صارت أنموذجا لذلك اللون ؛ فيقال : لون الليلاس أي الزنبق ؛ وتتكوّن من تلك الأزهار عناقيد غليظة الوسط ، دقيقة الطرفين ، مخروطية ، مركبة من عدد كثير من أزهار ملززة ، وتنتشر منها رائحة ذكية جدا ، ومن الأصناف ما يكون محمر الأزهار ، ومنها ما أزهاره مبيضة ، نقية جدا ، وكذلك الأوراق قد يقع فيها اختلاف من البياض إلى الصفرة الخ .