النويري
277
نهاية الأرب في فنون الأدب
الرأس إلى مفصل الذّنب ، وربّما ضربه من ظفر به من الناس بالسيف فلا يعمل فيه حتى يصيب طرف أنفه ، لأنّ جلده في قوّته كالقدّ ؛ ولفسوه ريح كريهة حتّى إنّه يصيب الثوب فلا تذهب رائحته منه حتّى يبلى ، وهو يفسو في الهجمة « 1 » من الإبل فتتفرّق ولا تجتمع لراعيها إلَّا بعد تعب ؛ والعرب تضرب المثل في تفريق الجماعات به ، فيقولون : « فسا بينهم الظَّربان » ؛ وهو لأهل مصر كالقنافذ لأهل سجستان في قتله الثعابين ؛ قالوا : ولو لاه لأكلتهم ؛ ومن عادته أنّه إذا رأى الثعبان دنا منه ووثب عليه ، فإذا أخذه تضاءل في الطول حتّى يبقى شبيها بقطعة حبل ، فينطوى الثعبان عليه ، فإذا انطوى نفخ الظَّربان بطنه ثمّ زفر زفرة فيتقطَّع الثعبان قطعا ؛ قال الجاحظ : وفسو الظَّربان أحدّ أسلحته ، لأنّه يدخل على الضّبّ في حجره وفيه حسوله « 2 » وبيضه ، فيأتي أضيق موضع في الحجر فيسدّه بيده ، ويحوّل دبره فلا يفسو ثلاث فسوات حتّى يخرّ الضّبّ سكران مغشيّا عليه ، فيأكله ؛ وله جراءة على تسلَّق الحيطان في طلب الطير ، فان هو سقط نفخ بطنه حتّى يمتلئ جلده ، فلا يضرّه السقوط ؛ قالوا : وهو يشبه السّمّور « 3 » ، وذهب بعضهم إلى أنّه هو ، وإنّما البقعة التي هو فيها غيّرت وبره .
--> « 1 » الهجمة من الإبل : الجماعة منها ، أوّلها أربعون إلى ما زاد ، وقيل : هي ما بين السبعين إلى المائة . « 2 » الحسول : أولاد الضب حين تخرج من البيض ، واحده حسل بكسر أوّله وسكون ثانيه . « 3 » السمور : دابة ببلاد الروس ، تشبه النمس ، منها أسود لا مع وأشقر ، يتخذ من جلدها فراء غالية الأثمان .