النويري

244

نهاية الأرب في فنون الأدب

زعارّة « 1 » خلق ، وحدّة نفس ، وتجهّم وجه ، وشدّة غيظ ، ولهذا يقال في الرجل إذا اشتدّ غضبه وكثر غيظه على عدوّه : « لبس له جلد النّمر » ، أي « 2 » تخلَّق بأخلاقه ؛ والنّمر بعيد الوثبة ، وربّما وثب أربعين ذراعا صعودا إلى مجثمه الذي يأوى اليه ، وقد شوهد وهو يثب في اللَّيل فيصير في داخل زريبة الغنم فيأخذ الشاة فيحذفها إلى خارج الزّريبة ، ثمّ يثب فيسبقها إلى الأرض ، ويتناولها من الهواء قبل أن تسقط على الأرض ؛ ومن خصائصه الغريبة أنّ المعضوض منه يطلبه الفأر حيث كان ، ويقصده ليبول عليه ، فإن ظفر به وبال عليه مات ؛ والناس يحترزون على من يجرحه النّمر غاية الاحتراز ، والفأر يطلب المجروح كلّ الطلب ، ومن أعجب ما سمعت أنّ إنسانا جرحه النّمر فاحترز على نفسه من الفأر ، فركب في مركب ، ووقف به في الماء وقد وثق بذلك ، وظنّ أنّ الفأر لا يصل إليه ، فاتّفق لنفوذ القضاء المقدّر الذي لا حيلة في دفعه أنّ حدأة اختطفت فأرا من الأرض ، وطارت فخاذت المجروح فلمّا سامته الفأر بال عليه فمات . وقد وجد في بعض الكتب القديمة : أنّ النّمر إذا عضّ إنسانا أخذ زهر السّمّاق « 3 » ودلك به الجرح ، فإنّ الفأر لا يقاربه ، ويكون في ذلك شفاؤه ؛ وأخبرني من عاين ذلك عند التّجربة ؛ والنّمر يحبّ شرب الخمر ، وبها يصاد ، فإنه إذا سكر نام ؛ وزعموا أنّه يتولَّد بينه وبين اللَّبؤة سبع يسمّى الذراع « 4 » على قدر الذئب العظيم ، كثير الجراءة ، لا يأوى معه شئ من السباع والوحوش .

--> « 1 » الزعارّة بتشديد الراء وتخفيفها : الشراسة وسوء الخلق . « 2 » في كلا الأصلين : « وتخلق » ؛ وهو غير مستقيم ، فان هذه الجملة تفسير للمثل السابق ، لا من تتمته . « 3 » السماق بتشديد الميم : من شجر القفاف والجبال ، وله ثمر حامض عناقيد فيها حب صغار يطبخ ؛ قال أبو حنيفة : لا أعلمه ينبت بشئ من أرض العرب إلا ما كان بالشأم ؛ قال : وهو شديد الحمرة . « 4 » كذا ورد هذا اللفظ في كلا الأصلين ومباهج الفكر ؛ ولم نجد سبعا بهذا الاسم فيما راجعناه من كتب اللغة ، كاللسان والتاج والمخصص وغيرها ، كما أننا لم نجد كلاما عن هذا السبع فيما لدينا من الكتب المؤلفة في الحيوان ؛ ولهذا لم نضبطه .