النويري

230

نهاية الأرب في فنون الأدب

بالخيبة ، فهو إذا أراد ذلك بدأ بالكلب ليأمن إنذاره ؛ ومن شأنه أنّه إذا أكثر من أكل اللَّحم وحسو الدّم وحلت نفسه منهما ، طلب الملح ولو كان بينه « 1 » وبين عرّيسته « 2 » خمسون ميلا . وأمّا [ ما « 3 » ] في الآساد من الجراءة والجبن فجرأته معروفة مشهوره ، غير منكوره ، فمنها أنّه يقبل على الجمع الكثير من غير فزع ولا اكتراث بأحد ولا مهابة له ، وقد شاهدت أنا ذلك عيانا ، وهو أنّنى ركبت ليلة في شوّال سنة اثنتين وسبعمائة من ( بيسان « 4 » الغور ) إلى ( قراوى « 5 » ) في نحو خمسة عشر فارسا وجماعة من الرجال بالقسىّ والتّراكيش « 6 » - وكانت ليلة مقمرة - فعارضنا أسد ، ثمّ بارانا وسايرنا على يمنة طريقنا عن غير بعد ، بل أقرب من رشقة حجر ، لا أقول : من كفّ قوىّ فكان كذلك مقدار ربع ليلة ، فلمّا أيس من الظَّفر بأحد منّا لتيقّظنا قصّر عنّا ، ثم تركنا إلى جهة أخرى . قالوا : والأسد الأسود أكثر جراءة وجهالة وكلبا على الناس ؛ قالوا : وإن ألجئ الأسد إلى الهرب أو أحسّ بالصيّادين تولَّى وهو يمشى

--> « 1 » « بينه » ، أي بين الملح ، كما هو واضح ، وتذكير الملح كما هنا لغة قليلة ، والأكثر فيه التأنيث كما نقله صاحب المصباح عن الصاغانىّ . « 2 » العرّيسة : مأوى الأسد . « 3 » لم ترد هذه الكلمة في ( ب ) ؛ ولا يستقيم الكلام بدون إثباتها . « 4 » بيسان : مدينة بالأردنّ بالغور الشامي ، وهى بين حوران وفلسطين . « 5 » قراوى : قرية بالغور من أرض الأردنّ . « 6 » التراكيش : جمع تركش بفتح التاء والكاف وسكون الراء ، وهو مقرّ السهام ؛ وقد عربه المولدون وتصرفوا فيه ، وهو عامىّ ، وقد ورد في الشعر ، قال الشاعر : ظبي من الترك أغنته لواحظه عما حوته من النبل التراكيش انظر شفاء الغليل .