النويري

231

نهاية الأرب في فنون الأدب

مشيا رفيقا ، وهو مع ذلك متلَّفت « 1 » يظهر عدم الاكتراث ، فإن تمكَّن منه الخوف هرب عجلا حتى يبلغ مكانا يأمن فيه ، فإذا علم أنّه أمن مشى متّئدا ، وإن كان في سهل وألجئ إلى الهرب جرى جريا شديدا كالكلب ، وإن رماه أحد ولم يصبه شدّ عليه ، فإن أخذه لم يضرّه ، وإنّما يخدشه ثمّ يخلَّيه ، كأنّه منّ عليه بعد الظَّفر به وهو إذا شمّ أثر الصيّادين عفا أثره بذنبه . وأمّا جبنه - فمنه أنّه يذعر من صوت الدّيك ، ومن نقر الطَّست وحسّ الطَّنبور « 2 » ، ويفزع من رؤية الحبل الأسود والديك الأبيض والسّنّور والفأرة ، ويدهش لضوء النار ، ويعتريه ما يعترى الظَّباء والوحوش من الحيرة عند رؤيتها وإدمان النظر إليها والتعجّب منها ، حتى يشغله ذلك عن التحفّظ والتيقّظ . قالوا : والأسد لا يألف شيئا من السّباع ، لأنّه لا يرى له فيها كفؤا فيصحبه ، ولا يطأ شئ منها على أثر مشيه ، ومتى وضع جلد الأسد مع سائر جلودها تساقطت شعورها ؛ والأسد لا يدنو من المرأة الطامث « 3 » ، وهو إذا مسّ بقوائمه شجر البلَّوط « 4 » خدر « 5 » ولم يتحرّك من مكانه ، وإذا غمره الماء ضعف وبطلت قواه ، فربّما ركب الصبىّ على ظهره وقبض على أذنيه ولا يستطيع عن نفسه دفاعا ؛ وأخبرني بعض من سكن

--> « 1 » عبارة مباهج الفكر : « وهو مع ذلك يضمر الخوف » الخ . « 2 » « الطنبور » بضم الطاء : من آلات الطرب ، ذو عنق طويل وستة أوتار من نحاس ، وهو فارسىّ معرّب . « 3 » الطامث : الحائض . « 4 » شجر البلوط : شجر كبير يدبغ بقشره ، وكانوا يغتذون بثمره قديما . « 5 » الخدر بفتحتين : استرخاء الأعضاء وثقلها فلا يمكنها أن تتحرّك .