النويري
20
نهاية الأرب في فنون الأدب
وحاشى « 1 » جلاله من الإخلال بعهود الوفاء ، ومن انحلال عقود الصفاء ، وما عهدت عزمه القوىّ في حلبة الشوق إلا من الضعفاء ، وحاشية خلقه إلا أرقّ من مدامع غرماء الجفاء من لم يبت والبين يصدع قلبه لم يدر كيف تقلقل الأحشاء وكتب أيضا في مثل ذلك : كتب مملوك المولى الأجلّ عن شوق قدح الدمع من الجفون شرارا ، وأجرى من سيل الماء نارا ، واستطال واستطار فما توارى أوارا ، ووجد على تذكَّر الأيام التي عذبت « 2 » قصارا ، والليالي التي طابت فكأنما خلقت جميعها أسحارا وبى غمرة للشوق من بعد غمرة أخوض بها ماء الجفون غمارا وما هي إلا سكرة بعد سكرة إذا هي زالت لا تزال خمارا رحلتم وصبرى والشباب وموطنى لقد رحلت أحبابنا تتبارى ومن لم تصافح عينه نور شمسه فليس يرى حتى يراه نهارا سقى اللَّه أرض الغوطتين « 3 » مدامعى وحسبك سحبا قد بعثت غزارا وما خدعتنى مصر عن طيب دارها ولا عوضتنى بعد جارى جارا أدار الصّبا لا مثل ربعك مربع أرى غيرك الربع الأنيس قفارا
--> « 1 » يقال : حاشاك وحاشى لك ، والمعنى واحد ، كما في الصحاح للجوهري ؛ وحاشى : اسم على الصحيح مرادف للبراءة ، كما في مغنى اللبيب في الكلام على « حاشى » التنزيهية . « 2 » في مسالك الأبصار : « التي ذهبت » . « 3 » المراد بالغوطتين هنا : أرض الغوطة ، وإنما ذكرها بالتثنية جريا على عادتهم من ذكر الواحد بلفظ المثنى ؛ والغوطة : هي الكورة التي منها دمشق ، استدارتها ثمانية عشر ميلا ، تحيط بها جبال عالية جدا ومياهها خارجة من تلك الجبال ، وتمد في الغوطة في عدّة أنهر فتسقى بساتينها وزروعها ويصب باقيها في أجمة هناك وبحيرة .