النويري
15
نهاية الأرب في فنون الأدب
وهو محروس في دنياه ودينه ، مستلئم من نوب الدهر بدرع يقينه ، كاشف لليل الخطب بنور جبينه ، وليوم الجدب بفيض يمينه ؛ وأعماله مقبوله ، ودعواته على ظهر الغمام محموله ؛ والدنيا ترعاه وهى تأتى « 1 » برغمها ، والآخرة تدّخر له وهو يسعى لها سعيها - من أيدي عدّة من المسافرين ، ولثقتى بهم ما قدّرت « 2 » أسماءهم ، ولضيق صدري بتأخير كتب المجلس ما حفظتها . وجاء منها : وما كأنا إلا أن دعونا اللَّه سبحانه دعوة الأوّلين أن يباعد بين أسفارنا ، وأردنا أن يقطع بيننا وبين أخبارنا ؛ فأجيبت الدّعوه ، ولا أقول لسابق الشّقوه ، ولكن للاحق الحظوه ؛ فإن مكابدة الأشواق إلى الأبرار ، تسوق إلى الجنّة ولا تسوق إلى النار ، وأقسم انني بالاجتماع به في تلك الدار ، أبهج منى بالاجتماع به لو أتيح في هذه الدار ؛ فعليه وعلىّ من العمل ما يجمع هنا لك سلك الشمل ويصل جديد الحبل ؛ فثمّ لا يلقى العصا إلا من ألقى هنا « 3 » العصيان ، وهناك لا تقرّ العين إلا ممن سهرت منه هاهنا العينان ؛ فلا وجه لجمع اسمى مع اسمه في هذه الوصيّة مع علمي بسوء تقصيري ، وخوفى من سوء مصيرى ، ولكن ليزيد سيّدنا من وظائفه وعوارفه ، - فكلّ فعله تفضّل من فضله - ما يخلَّصنى بإخلاصه فإنني أستحق شفاعته لشفعة جوار قلبي لقلبه ، وهذا معنى ما بعث على شغل الكتّاب به ، مع علمي باستقرار نفسه النفيسة ، إلا أنه - أبقاه اللَّه - قد أبعد عهدي من كتبه ما يقع التفاوض فيه ، والمراجعة عنه ؛ والخواطر في هذا الوقت منقبضه ، والشواغل لها معترضه ، وأيام العمر في غير ما يفرض من الدنيا للآخرة
--> « 1 » عبارة مسالك الأبصار : « وهو يأبى رعيها » ؛ وبها مع ما بعدها يتم السجع الذي التزمه القاضي في رسالته . « 2 » في ( ب ) : « قيدت » ؛ والمعنى يستقيم عليه أيضا . « 3 » في الأصل : « هنالك » ؛ وسياق الكلام يقتضى ما أثبتنا .