النويري
80
نهاية الأرب في فنون الأدب
الصريح ، ولهذا لو قلت : وبالحق أنزلناه وبه نزل ، وقل هو اللَّه أحد وهو الصمد لا تجد من الفخامة ما تجده في قوله تعالى : * ( وبِالْحَقِّ أَنْزَلْناه وبِالْحَقِّ نَزَلَ ) * و * ( قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ الله الصَّمَدُ ) * وعلى ذلك قول الشاعر : لا أرى الموت يسبق الموت شئ نغّص الموت ذا الغنى والفقيرا . وأما مباحث إنّ وإنما - فإنه قال : أما إنّ فلها فوائد : الأولى أن تربط الجملة الثانية بالأولى ، وبسببها يحصل التأليف بينهما حتى كأن الكلامين أفرغا إفراغا واحدا ، ولو أسقطتها كان الثاني نائيا عن الأوّل ، كقوله تعالى : * ( يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ ) * وقوله تعالى : * ( أَقِمِ الصَّلاةَ وأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وانْه عَنِ الْمُنْكَرِ واصْبِرْ عَلى ما أَصابَكَ إِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ ) * . وقوله تعالى : * ( خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وتُزَكِّيهِمْ بِها وصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ ) * وقد تتكرر في كلام واحد ، كقوله تعالى : * ( وما أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا ما رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ ) * . ثم متى أسقطت « إنّ » من الجملة التي أدخلتها عليها ، فإن كانت الجملة الثانية إنما تذكر لإظهار فائدة ما قبلها كما في الآيات المذكورة احتجت إلى الفاء ، وإلا فلا ، كما في قوله تعالى : * ( إِنَّ هذا ما كُنْتُمْ بِه تَمْتَرُونَ إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقامٍ أَمِينٍ ) * فلو قلت : فالمتقون لم يكن كلاما ، وكذلك قوله تعالى : * ( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا والَّذِينَ هادُوا والصَّابِئِينَ والنَّصارى والْمَجُوسَ والَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ الله يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ ) * فقوله تعالى : * ( إِنَّ الله يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ ) * في موضع خبر إنّ ، فدخول الفاء يوجب عطف الخبر على المبتدأ ، وهو غير جائز عند أكثر النحويين .