النويري

73

نهاية الأرب في فنون الأدب

ما لا يكون لزيد تعلق بحديث الخليفة ، ولو قلت : زيد طويل وعمرو شاعر لا اختل لفظا ، إذ لا مناسبة بين الطويل القامة والشاعر . وإن كان المحدّث عنه في الجملتين شيئا واحدا ، كقولك : فلان يقول ويفعل ويضرّ وينفع ، ويأمر وينهى ، ويسىء ويحسن ، فيجب إدخال العاطف فإن الغرض جعله فاعلا لأمرين ، فلو قلت : يقول يفعل بلا عاطف لتوهّم أن الثاني رجوع عن الأوّل . وإذا أفاد العاطف الاجتماع ازداد الاشتراك « 1 » ، كقولك : العجب من أنك أحسنت وأسأت ، والعجب من أنك تنهى عن شئ وتأتى مثله ، وكقوله : لا تطمعوا أن تهينونا ونكرمكم وأن نكفّ الأذى عنكم وتؤذونا فإن المعنى جعل الفعلين في حكم واحد ، أي لا تطمعوا أن تروا إكرامنا إيّاكم يوجد مع إهانتكم إيّانا . قال : وقد يجب إسقاط العاطف في بعض المواضع لاختلال المعنى عند إثباته كقوله تعالى : * ( وإِذا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ قالُوا إِنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ ) * فقوله تعالى : * ( أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ ) * كلام مستأنف ، وهو إخبار من اللَّه تعالى ، فلو أتى بالواو لكان إخبارا عن اليهود بأنهم وصفوا أنفسهم بأنهم يفسدون فيختل المعنى ، وكذلك قوله تعالى : * ( وإِذا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَما آمَنَ النَّاسُ قالُوا أَنُؤْمِنُ كَما آمَنَ السُّفَهاءُ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهاءُ ) * وأمثال ذلك كثيرة ؛ وإذا كان كذلك فلا حاجة إلى العاطف بخلاف قوله تعالى : * ( يُخادِعُونَ الله وهُوَ خادِعُهُمْ ) * * ( ومَكَرُوا ومَكَرَ الله ) * فإن كل واحدة من الجملتين خبر من اللَّه تعالى .

--> « 1 » في الأصل : « اشتباك » وهو تحريف .