النويري

59

نهاية الأرب في فنون الأدب

الثالث - أن يستعار المحسوس للمعقول كاستعارة النور الذي هو محسوس للحجّة ، واستعارة القسطاس للعدل ، وكقوله تعالى : * ( بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْباطِلِ فَيَدْمَغُه ) * فالقذف والدمغ مستعاران ، وقوله تعالى : * ( فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ ) * استعارة لبيانه عما أوحى اليه كظهور ما في الزجاجة عند انصداعها ، وكلّ خوض في القرآن العزيز فهو مستعار من الخوض في الماء ، وقوله تعالى : * ( قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ ) * جعل لهما طاعة وقولا . الرابع - أن يستعار اسم المعقول للمحسوس على ما تقدّم ذكره في التشبيه كقوله تعالى : * ( إِذا أُلْقُوا فِيها سَمِعُوا لَها شَهِيقاً وهِيَ تَفُورُ تَكادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ ) * فالشهيق والغيظ مستعاران ، وقوله تعالى : * ( حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزارَها ) * والأقوال في الاستعارة كثيرة ، وقد أوردنا فيها ما يستدلّ به عليها . وأما الكناية قال : اللفظة إذا أطلقت وكان الغرض الأصلىّ غير معناها فلا يخلو : إما أن يكون معناها مقصودا أيضا ليكون دالَّا على ذلك الغرض الأصلىّ وإما أن لا يكون كذلك . فالأوّل هو الكناية ، ويقال له : الإرداف أيضا . والثاني المجاز . فالكناية عند علماء البيان أن يريد المتكلَّم إثبات معنى من المعاني لا يذكره باللفظ الموضوع له في اللغة ، ولكن يجئ إلى معنى هو تاليه « 1 » وردفه في الوجود فيومى به اليه ، ويجعله دليلا عليه ، مثال ذلك قولهم : طويل النجاد وكثير رماد القدر ، يعنون به أنه طويل القامة ، كثير القرى ، ومن ذلك قوله تعالى : * ( إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمانِهِمْ ثُمَّ ازْدادُوا كُفْراً لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ ) * كنى بنفي قبول التوبة عن الموت على الكفر .

--> « 1 » في الأصل : ( تأكيد ) وهو تحريف ، والتصويب عن حسن التوسل .