النويري

54

نهاية الأرب في فنون الأدب

قال : ويتصل بهذا ترشيح الاستعارة وتجريدها ، أما ترشيحها فهو أن ينظر فيها إلى المستعار ، ويراعى جانبه ، ويوليه ما يستدعيه ، ويضمّ إليه ما يقتضيه ، كقول كثير : رمتني بسهم ريشه الهدب لم يصب بظاهر « 1 » جسمي وهو في القلب جارح وكقول النابغة : وصدر أراح الليل عازب همّه تضاعف فيه الحزن من كلّ جانب فالمستعار في كل واحد منهما وهو الرمي والإراحة منظور اليهما في لفظ السهم والعازب ، وكما أنشد صاحب الكشّاف « 2 » : ينازعني ردائي عند عمرو رويدك يا أخا عمرو بن بكر لي الشطر الذي ملكت يميني ودونك فاعتجر منه بشطر أراد بردائه سيفه ، ثم نظر إلى المستعار في لفظ الاعتجار . وأما تجريدها فهو أن يكون المستعار له منظورا إليه ، كقوله تعالى : * ( فَأَذاقَهَا الله لِباسَ الْجُوعِ والْخَوْفِ ) * فإن الإذاقة لمّا وقعت عبارة عما يدرك من أثر الضرر « 3 » والألم تشبيها له بما يدرك من الطعم المرّ البشع ، واللباس عبارة عما يغشى منهما ويلابس فكأنه قال : فأذاقها اللَّه ما غشيها من ألم الجوع والخوف ، وكقول زهير : لدى أسد شاكي « 4 » السلاح مقذّف له لبد أظفاره لم تقلَّم فلو نظر إلى المستعار لقال : أسد دامى المخالب أو دامى البراثن ، ونظر زهير في آخر البيت إلى المستعار أيضا ، ومنه قول كثّير : غمر الرداء إذا تبسّم ضاحكا غلقت لضحكته رقاب المال

--> « 1 » هذه الباء ساقطة من الأصل ، وبها يستقيم الوزن . « 2 » في الأصل : ( الكتاب ) والتصويب عن حسن التوسل . « 3 » في الأصل : ( الضرورة ) وما أثبتناه عن حسن التوسل . « 4 » شاكي السلاح وشائكه وشاكه : حديده . والمقذف : الذي يقذف به كثيرا في الوقائع . مبالغة في القذف .