النويري

55

نهاية الأرب في فنون الأدب

استعار الرداء للمعروف لأنه يصون عرض صاحبه صون الرداء لما يلقى عليه ووصفه « 1 » بالغمر الذي هو وصف المعروف والنوال لا وصف الرداء . قال : ويقرب من ذلك الاستعارة بالكناية ، وهى أن لا يصرّح بذكر المستعار بل بذكر بعض لوازمه تنبيها به عليه ، كقولهم : شجاع يفترس أقرانه ، وعالم يغترف منه الناس . وكقول أبى ذؤيب : وإذا المنيّة أنشبت أظفارها ألفيت كلّ تميمة لا تنفع تنبيها على أنّ الشجاع أسد ، والمنيّة سبع ، والعالم « 2 » بحر ، وهذا وإن كان يشبه الاستعارة المجرّدة إلَّا أنّه أغرب وأعجب ، ويقرب منه قول زهير : ومن يعص أطراف الزجاج « 3 » فإنه يطيع العوالي ركَّبت كلّ لهذم أراد أن يقول : من لم يرض بأحكام الصلح رضى بأحكام الحرب ، وذلك أنهم كانوا إذا طلبوا الصلح قلبوا زجاج الرماح وجعلوها قدّامها مكان الأسنّة ، وإذا أرادوا الحرب أشرعوا الأسنّة ؛ وقد يسمّى هذا النوع المماثلة أيضا . قال : وقد ينزلون الاستعارة منزلة الحقيقة ، وذلك أنهم يستعيرون الوصف المحسوس للشئ المعقول ويجعلون كأنّ تلك الصفة ثابتة لذلك الشئ في الحقيقة ، وأنّ الاستعارة لم توجد أصلا ، مثاله استعارتهم العلوّ لزيادة الرجل على غيره في الفضل والقدر والسلطان ثم وضعهم الكلام وضع من يذكر علوّا مكانيّا « 4 » ، كقول أبى تمّام :

--> « 1 » في الأصل : ( ووصف ) بدون هاء ، وما أثبتناه عن حسن التوسل . « 2 » مقتضى ما سبق من التمثيل تقديم هذه العبارة على ما قبلها إن لوحظ الترتيب كما في حسن التوسل . « 3 » واحده زج بالضم ، وهو حديدة تكون في أسفل الرمح . « 4 » في الأصل : « مكانا » وما أثبتناه عن حسن التوسل .