النويري

50

نهاية الأرب في فنون الأدب

وحدّ الرّمانىّ الاستعارة فقال : هي تعليق العبارة على غير ما وضعت له في أصل الَّلغة على سبيل النقل للإبانة . وقال ابن المعتزّ : هي استعارة الكلمة من شئ قد عرف بها إلى شئ لم يعرف بها . وذكر الخفاجىّ كلام الرّمانىّ وقال : وتفسير هذه الجملة أن قوله عز وجل : * ( واشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً ) * استعارة ، لأن الاشتعال « 1 » للنار ، ولم يوضع في أصل اللغة للشيب فلما نقل اليه بان المعنى لما اكتسبه من التشبيه ، لأن الشيب لما كان يأخذ في الرأس شيئا فشيئا حتى يحيله إلى غير لونه الأوّل كان بمنزلة النار التي تسرى في الخشب حتى تحيله إلى غير [ حالته « 2 » ] المتقدّمة ؛ فهذا هو نقل العبارة عن الحقيقة في الوضع للبيان ، ولا بدّ من أن تكون أوضح من الحقيقة لأجل التشبيه العارض فيها لأن الحقيقة لو قامت مقامها لكانت أولى بها « 3 » ، لأنها الأصل ، وليس يخفى على المتأمّل أن قوله عزّ وجلّ : * ( واشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً ) * أبلغ من كثر شيب الرأس ، وهو حقيقة هذا المعنى . ولا بدّ للاستعارة من حقيقة هي أصلها ، وهى مستعار منه ، ومستعار ، ومستعار له ، فالنار مستعار منها ، والاشتعال مستعار ، والشيب مستعار له . قال : وأمّا قولنا مع طرح ذكر المشبّه ، فاعلم أننا إذا طرحناه كقولنا : رأيت أسدا ، وأردنا الرجل الشجاع فهو استعارة بالاتفاق ، وإن ذكرنا معه الصيغة الدالَّة على المشابهة كقولنا : زيد كالأسد أو مثله أو شبهه فليس باستعارة ؛ وإن لم نذكر الصيغة وقلنا : زيد أسد فالمختار أنه ليس باستعارة إذ في اللفظ ما يدلّ على أنّه ليس بأسد فلم تحصل

--> « 1 » في الأصل : ( الاستعارة ) وفيه تحريف وزيادة هاء ، والسياق يقتضى ما أثبتنا كما في حسن التوسل . « 2 » الزيادة عن حسن التوسل ، ولا يستقيم الكلام بدونها . وعبارة الأصل : ( كان بمنزلة النار التي تسرى في الخشب حتى تحيله إلى غير لونه الأوّل كان بمنزلة النار حتى تحيله إلى غير لونه المتقدّمة ) . وفيها تكرار ونقص . « 3 » بها أي بالعبارة .