النويري
34
نهاية الأرب في فنون الأدب
وكذلك حفظ جانب جيّد من شعر المحدثين ، كأبى تمّام ومسلم ابن الوليد والبحترىّ وابن الرومىّ والمتنبىّ ، للطف مأخذهم ، ودوران الصناعة في كلامهم ، ودقّة توليد المعاني في أشعارهم ، وقرب أسلوبهم من أسلوب الخطابة والكتابة . وكذلك النظر في رسائل المتقدّمتين دون حفظها لما في النظر فيها من تنقيح القريحة ، وإرشاد الخاطر ، وتسهيل الطرق ، والنسج على منوال المجيد ، والاقتداء بطريقة المحسن ، واستدراك ما فات « 1 » القاصر ، والاحتراز مما أظهره النقد ، وردّ ما بهرجه السبك ؛ فأمّا النهى عن حفظ ذلك فلئلا يتّكل الخاطر على ما في حاصله ، ويستند الفكر إلى ما في مودعه ، ويكتفى بما ليس له ، ويتلبّس بما لم يعط « كلابس ثوبي زور » ؛ وأمّا من قصد المحاضرة بذلك دون الإنشاء فالأحسن به حفظ ذلك وأمثاله . وكذلك النّظر في كتب الأمثال الواردة عن العرب نظما ونثرا كأمثال الميدانىّ والمفضّل بن سلمة الضبىّ وحمزة الأصبهانىّ وغيرهم ، وأمثال المحدثين الواردة في أشعارهم ، كأبى العتاهية وأبى تمّام والمتنبىّ ، وأمثال المولَّدين ؛ وقد أوردنا من ذلك في باب الأمثال جملا . وكذلك النّظر في الأحكام السّلطانيّة ، فإنه قد يأمر بأمر فيعرف منها كيف يخلص قلمه على حكم الشريعة المطهّرة من تولية القضاء والحسبة وغير ذلك ؛ وقد قدّمنا في هذا الكتاب من ذلك طرفا جيّدا . قال : فهذه أمور كليّة لا بدّ للمترشّح لهذه الصناعة من التصدّى للاطلاع عليها ، والإكباب على مطالعتها ، والاستكثار منها
--> « 1 » في الأصل : « قال » وهو تحريف ، والتصويب عن حسن التوسل .