النويري

311

نهاية الأرب في فنون الأدب

ريّا الجداول ، باردة الضحى والأصائل ؛ وطفت بكعبة الفضل مصونة الحبر « 1 » ، ملثومة الحجر ؛ عزيزة المقام ، معمورة المشعر الحرام ؛ فما شئنا من محاضرة ، تجمع بين الدنيا والآخرة ؛ بين يدي نثر يدنى الإعجاز ، ونظم ما أشبه الصدور بالأعجاز ؛ وحديث تثقّف العقول بآرائه « 2 » ، وتروّى بصافى مائه ؛ فحين شمخ بالظَّفر أنفى ، واهتزّ لنيل الأمل عطفى - والدهر يضحك سرّا ، ويتأبّط شرّا ؛ وقد أذهلني الجذل عن سوء ظنّى به ، وأوهمنى نزوعه « 3 » عن ذميم مذهبه - أتت ألوانه ، وفسا « 4 » ظربانه ؛ ونادى : ليقم من قعد ، وينتبه من رقد ؛ إنما فترت تلك الفترة ، ليكون ما رأيت عليك حسرة ؛ وسمحت لك مرّة ، لتذوق من الأسف عليها كأسامرّة ؛ فرأيت وقد غطَّى على بصرى ، وعقلت وكنت في عمياء من خبري ؛ وقلت : هو الذي أعهده من لؤمه ، وأعرفه من شؤمه ؛ فما وهب ، إلا وسلب ؛ ولا أعطى ، إلا ساعات كإبهام القطا ؛ فيا له من قادر ما ألأم قدرته ، وذابح ما أحدّ شفرته ! ولو تسلَّط علينا ، من يظهر شخصه إلينا ، لأدركته رماحنا ، [ وعصفت به رياحنا « 5 » ] ؛ لكنه أمير من وراء سجف ، يسعى بلا رجل ويصول بلا كفّ . ومن كلام الوزير الكاتب أبى محمد بن عبد الغفور إلى بعض إخوانه - وكان قد وصف له امرأة ومدحها وحضّه على زواجها ، وكان لذلك الصديق امرأة سوداء - فأجابه ابن عبد الغفور :

--> « 1 » كذا في الأصل ؛ والحبر : البرود اليمنية ؛ ولعل المراد بحبر الكعبة : أستارها . والذي في الذخيرة لابن بسام : « الحرم » ، والمعنى يستقيم عليه أيضا . « 2 » عبارة الذخيرة : « تقف العقول بإزائه » . « 3 » في الأصل : « بزوغه » بالباء الموحدة والغبن المعجمة ؛ وهو تصحيف . « 4 » في الأصل : « وفشى طريانه » بالشين المعجمة والطاء المهملة وهو تصحيف . والظربان بفتح الظاء المعجمة وكسر الراء دويبة كالهرة منتنة الريح ؛ ويقال : فسا بينهم الظربان ، أي تفرقوا . « 5 » الزيادة عن الذخيرة ؛ وبها يتم السجع الذي التزمه الكاتب في رسالته .