النويري

305

نهاية الأرب في فنون الأدب

ما أقدر اللَّه أن يدنى على شحط من داره الحزن ممن داره صول « 1 » فما ظنّك به وقد نزل على مسافة يوم [ وطالما نفر عن حبالة نوم « 2 » ] ، ودنا حتى همّ بالسلام ، وقد كان من خدع الأحلام ، وناهيك « 3 » من ظمئى وقد حمت حول المورد الخصر ، وذممت الرّشاء « 4 » بالقصر ، ووقف بي ناهض القدر ، وقفة العير بين الورد والصّدر ؛ فهلَّا وصل ذلك الأمل بباع ، وسمح الزمن باجتماع ؛ وطويت بيننا رقعة الأميال ، كما زويت مراحل « 5 » أيّام وليال ؛ وما كان على الأيّام لو غفلت قليلا ، حتى أشفى بلقائك غليلا ، وأتنسّم من روح مشاهدتك نفسا بليلا ؛ ولئن أقعدتنى بعوائقها عن لقاء حرّ ، وقضاء برّ ؛ وسفر قريب ، وظفر غريب ؛ فما تحيّفت « 6 » ودادي ، ولا ارتشفت مدادى ؛ ولا غاضت كلامي ، ولا أحفت أقلامى « 7 » ؛ وحسبي بلسان النّبل « 8 » رسولا ، وكفى بوصوله أملا وسولا ؛ ففي الكتاب بلغة الوطر ، ويستدلّ على العين بالأثر ؛ على أنى إنما وحيت « 9 » وحى المشير باليسير ، وأحلت فهمك على المسطور في الضمير ؛ وإن فرغت للمراجعة ولو بحرف ، أو لمحة طرف ؛ وصلت صديقا ، وبللت ريقا ؛ وأسديت يدا ، وشفيت صدى ؛ لا زالت أياديك بيضا ، وجاهك عريضا ؛ ولياليك أسحارا ، ومساعيك أنوارا .

--> « 1 » الحزن : بلاد بنى يربوع ، وهى أطيب البادية مرعى . وصول : مدينة في بلاد الخزر في نواحي باب الأبواب . « 2 » لم ترد هذه العبارة في الأصل ؛ وقد أثبتناها عن الذخيرة ليتم بها السجع الذي التزمه الكاتب فيما أثبت هنا من رسالته . « 3 » يقال : ناهيك من كذا بمعنى حسبك ، أي أنه غاية تنهاك عن طلب غيره . « 4 » الرشاء : الحبل ؛ يريد بهذه العبارة تشبيه حاله في المقاربة وعدم استطاعة اللقاء بحبل الدلو الذي يقارب الماء ولا يصل اليه لقصره . « 5 » عبارة الأصل : « على رويت مراحم » وهو تحريف . « 6 » يقال : تحيفت الشئ ، أي تنقصته من نواحيه . « 7 » في الأصل : « اقدامى » بالدال ؛ وهو تحريف . « 8 » يريد بلسان النبل ، كتابه اليه . « 9 » الوحي : الكتابة أو الإشارة .