النويري

268

نهاية الأرب في فنون الأدب

وأقبلت لديها تتفاخر ؛ حتى استعفيت من الحكومة ، ونفضت يدي من غبار الخصومة ؛ وأخذت أقول : كلَّكنّ صوادر عن أصل واحد فتسالمن ، وأرفاد عن معدن رافد « 1 » فتصالحن ، وقد ولَّيت النظر بينهما من كمل لنسج برودهما ، ووفّى بنظم عقودهما ؛ على أنني يا مولاي أنشأت هذه الأحرف وحولى أعمال وأشغال لا يسلم معهما فكر ، ولا يسلم بينهما طبع ؛ وتناولت قلما كالابن العاقّ ، بل العدوّ المشاقّ ؛ إذا أردته استقال ، وإذا قوّمته مال ؛ وإذا حثثته وقف ، وإذا وقفته انحرف ؛ أحدل « 2 » الشّقّ ؛ متفاوت البرى ، معدوم الجرى ؛ محرّف القطَّ ، مثبّج « 3 » الخطَّ ؛ ثم رأيت العدول عنه ضربا من الانقياد لأمره ، والانخراط في سلكه ، فجهدته على رغمه ، وكددته على صعره ؛ لا جرم أنّ جناية اللَّجاج بادية على صفحات الحروف لا تخفى ، وعادية المحك « 4 » لائحة على وجوه السطور تتجلَّى . وكتب : واللَّه يعلم أنى أخبرت بورود كتابه واستفزّنى الفرح قبل رؤيته ، وهزّ عطفى المرح أمام مشاهدته ؛ فما أدرى ، أسمعت بورود كتاب ، أم ظفرت برجوع شباب ؟ ثم وصل بعد انتظار له شديد ، وتطلَّع إلى وصوله طويل عريض ؛ فتأمّلته فلم أدر ما تأمّلت ، أخطَّا مسطورا ، أم روضا ممطورا ، أم كلاما منثورا ، أم وشيا منشورا ؟ ولم أدر ما أبصرت في أثنائه ، أأبيات شعر ، أم عقود درّ ؟ ولم أدر ما جملته ، أغيث حلّ بوادي ظمآن ، أم غوث سبق إلى لهفان ؟ . وكتب : وصل كتاب القاضي فأعظمت قدر النعمة في مطلعه ، وأجللت محلّ الموهبة بموقعه ؛ وفضضته عن السحر حلالا ، والماء زلالا ؛ وسرّحت الطَّرف منه

--> « 1 » في الأصل : « وارد » ؛ وهو تحريف لا يستقيم به المعنى . « 2 » الأحدل : المائل . « 3 » المثيج : المعمى الخفي . « 4 » المحك : التمادي في اللجاج والغضب .