النويري

21

نهاية الأرب في فنون الأدب

وقال العتّابىّ : سألني الأصمعىّ في دار الرشيد : أىّ الأنابيب للكتابة أصلح وعليها أصبر ؟ فقلت له : ما نشف « 1 » بالهجير ماؤه ، وستره من تلويحه غشاؤه ؛ من التّبريّة القشور ، الدّرّيّة الظهور ، الفضّيّة الكسور ؛ قال : فأي نوع من البرى أصوب وأكتب ؟ فقلت : البرية المستوية القطَّة التي عن يمين سنها برية تؤمن معها المحبّة عند المدة والمطَّة ، للهواء في شقّها فتيق ، والريح في جوفها خريق « 2 » ، والمداد في خرطومها رقيق . قال العتابىّ : فبقى الأصمعي شاخصا إلىّ ضاحكا ، لا يحير مسألة ولا جوابا . وكتب علي بن الأزهر إلى صديق له يستدعى منه أقلاما : أما بعد : فإنا على طول الممارسة لهذه الكتابة التي غلبت على الاسم ، ولزمت لزوم الوسم « 3 » ؛ فحلَّت محل الأنساب ، وجرت مجرى الألقاب ؛ وجدنا الأقلام الصّحريّة « 4 » أجرى في الكواغد « 5 » وأمرّ في الجلود ، كما أنّ البحريّة منها أسلس في القراطيس ، وألين في المعاطف وأشد لتعريف « 6 » الخط فيها ، ونحن في بلد قليل القصب رديئه ، وقد أحببت في أن تتقدّم في اختيار « 7 » أقلام صحريّة ، وتتنوّق « 8 » في اقتنائها قبلك ، وتطلبها من مظانّها ومنابتها من شطوط الأنهار ، وأرجاء الكروم ، وأن تتيمّن « 9 » باختيارك منها الشديدة الصّلبة

--> « 1 » في الأصل : ( يشف ) وهو تحريف ، والتصويب عن صبح الأعشى ج 2 ص 441 ط دار الكتب المصرية . « 2 » يريد أنها تنفذ فيها وتتخلَّها . « 3 » الوسم : أثر الكىّ . « 4 » الصّحرية بالضم نسبة إلى الصّحرة ، وهى جوبة تنجاب وسط الحرة ، وتكون أرضا لينة تطيف بها حجارة ، والجمع صحر . « 5 » واحده كاغد بفتح الغين المعجمة : القرطاس ، وهو فارسي معرّب . « 6 » في العقد الفريد ج 2 ص 223 ط بولاق : ( لتصريف ) وكلاهما يستقيم به الكلام وإن اختلف المراد في كل من الروايتين . « 7 » في الأصل : ( تخيير ) والمقام يقتضى ما أثبتنا كما في صبح الأعشى ج 2 ص 441 والعقد الفريد . « 8 » في العقد الفريد : ( تتأنق ) ومؤداهما واحد . « 9 » في العقد الفريد ج 2 ص 223 : ( تتيمم في اختيارك ) الخ ، وهى أقرب بقرينة قوله بعد : « وان تقصد » .