النويري
260
نهاية الأرب في فنون الأدب
عند ذكر الوقائع ، وإنما نورده ثمّ وإن كان هذا موضعه ليكون الكلام فيه سياقة ، وترد الوقائع يتلو بعضها بعضا ، فلا ينقطع الكلام على ما تقف إن شاء اللَّه تعالى عليه في مواضعه ، فلنورد في هذا الموضع ما هو خارج عن ذلك النّمط من كلامهم ، ولنبدأ بذكر شئ من المكاتبات البليغة الموجزة ؛ من ذلك ما كتب به عبد الحميد بن يحيى بالوصاة على إنسان فقال : حقّ موصل هذا الكتاب عليك كحقّه علىّ إذ رآك موضعا لأمله ، ورآني أهلا لحاجته ، وقد أنجزت حاجته ، فحقّق أمله . ومنه ما حكى أن المأمون قال لعمرو بن مسعدة : اكتب إلى فلان كتاب عناية بفلان في سطر واحد ، فكتب : هذا كتاب واثق بمن كتب اليه ، معتن بمن كتب له « 1 » ، ولن يضيع بين الثقة والعناية حامله . وكتب عمرو بن مسعدة إلى المأمون يستعطفه على الجند : كتابي إلى أمير المؤمنين ومن قبلي من أجناده وقوّاده في الطاعة على أفضل ما تكون عليه طاعة جند تأخّرت أرزاقهم ، واختلَّت أحوالهم . فأمر بإعطائهم رزق ثمانية أشهر . وكتب أحمد بن يوسف إلى المأمون يذكَّره بمن على بابه من الوفود فقال : إنّ داعى نداك ، ومنادى جدواك ، جمعا ببابك الوفود ، يرجون نائلك العتيد ؛ فمنهم من يمتّ بحرمة ، ومنهم من يدلى « 2 » بخدمة ؛ وقد أجحف بهم المقام ، وطالت عليهم الأيام ؛ فإن رأى أمير المؤمنين أن ينعشهم بسيبه « 3 » ، ويحتوش ظنونهم بطوله فعل . فوقّع المأمون في كتابه : الخير متّبع ، وأبواب الملوك مواطن لذوي الحاجات ،
--> « 1 » في الأصل : « اليه » ؛ والسياق يقتضى ما أثبتنا . « 2 » يدلى : يتوسل . « 3 » السيب : العطاء .