النويري
253
نهاية الأرب في فنون الأدب
أخصبوا « 1 » لم يفرحوا ، وإن قحطوا لم يقنطوا ؛ [ جمع « 2 » ] وهم آحاد ، جيرة وهم أبعاد ؛ متناؤن « 3 » ، لا يزورون ولا يزارون ؛ حلماء قد ذهبت أضغانهم ، وجهلاء قد ماتت أحقادهم ؛ لا يرجى نفعهم ، ولا يخشى دفعهم ؛ وكما قال اللَّه تعالى : * ( فَتِلْكَ مَساكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا وكُنَّا نَحْنُ الْوارِثِينَ ) * فاستبدلوا بظهر الأرض بطنا ، وبالسّعة ضيقا ، وبالأهل غربة ، وبالنّور ظلمة ، ففارقوها كما دخلوها ، حفاة عراة فرادى ، غير أن ظعنوا بأعمالهم إلى الحياة الدائمة ، وإلى خلود الأبد ، يقول اللَّه تعالى : * ( كَما بَدَأْنا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُه وَعْداً عَلَيْنا إِنَّا كُنَّا فاعِلِينَ ) * فاحذروا ما حدّركم اللَّه ، وانتفعوا بمواعظه ، واعتصموا بحبله ، عصمنا اللَّه وإيّاكم بطاعته ، ورزقنا وإيّاكم أداء حقّه . ومن كلام أبى مسلم الخراساني صاحب الدولة « 4 » ، قيل له : ما كان سبب خروج الدولة عن بنى أميّة ؟ فقال : لأنهم أبعدوا أولياءهم ثقة بهم ، وأدنوا أعداءهم تألَّفا لهم ، فلم يصر العدوّ بالدّنوّ صديقا ، وصار الصديق بالبعاد عدوّا . وقيل له في حداثته : إنا نراك تأرق كثيرا ولا تنام ، كأنك موكَّل برعى الكواكب ، أو متوقع الوحي في « 5 » السماء ، فقال : واللَّه ما هو ذاك ، ولكن لي رأى جوّال ، وغريزة
--> « 1 » كذا في البيان والتبيين ج 2 ص 105 طبع الرحمانية ؛ وهو المناسب لما يأتي بعده ؛ والذي في الأصل : « جمعوا » . « 2 » هذه الكلمة ساقطة من الأصل ؛ وقد أثبتناها عن البيان والتبيين . « 3 » في الأصل : « متساوون » وما أثبتناه هو المناسب لما قبله وما بعده ؛ وانظر البيان والتبيين والعقد الفريد . « 4 » يريد دولة بنى العباس ؛ وفى البيان والتبيين ج 2 ص 75 طبع الرحمانية : « صاحب الدعوة » . « 5 » لعله : « من » .