النويري
254
نهاية الأرب في فنون الأدب
تامّة ، وذهن صاف ، وهمّة بعيدة ، ونفس تتوق إلى معالى الأمور ، مع عيش كعيش الهمج والرّعاع ، وحال متناهية من الاتّضاع ، وإني لأرى بعض هذا مصيبة لا تجبر بسهر ، ولا تتلافى بأرق ؛ قيل له : فما الذي يبرد غليلك ، ويشفى إجاج « 1 » صدرك ؟ قال : الظَّفر بالملك ؛ قيل له : فاطلب ؛ قال : إن الملك لا يدرك إلا بركوب الأهوال ؛ قيل : فاركب الأهوال ؛ قال : هيهات ، العقل مانع من ركوب الأهوال ؛ قيل : فما تصنع وأنت تبلى حسرة ، وتذوب كمدا ؟ قال : سأجعل من عقلي بعضه جهلا ، وأحاول به خطرا ، لأنال بالجهل ما لا ينال إلَّا به ، وأدبّر بالعقل ما لا يحفظ إلا بقوّته ، وأعيش عيشا يبين مكان حياتي فيه من مكان موتى عليه ، فإن الخمول أخو العدم ، والشهرة أبو الكون . وكتب إليه عبد الحميد بن يحيى كتابا عن مروان بن محمد ، وقال لمروان : قد كتبت كتابا إن نجع فذاك ، وإلَّا فالهلاك ، وكان لكبر حجمه يحمل على جمل ، نفث فيه حواشي صدره ، وضمّنه غرائب عجره وبجره « 2 » ، فلمّا ورد على أبى مسلم دعا بنار فطرحه فيها إلَّا قدر ذراع فإنه كتب عليه : محا السيف أسطار البلاغة وانتحى ليوث الوغى يقدمن من كلّ جانب فإن يقدموا نعمل سيوفا شحيذة يهون عليها العتب من كلّ عاتب وردّه ، فأيس الناس من معالجته . وقيل : إنه شجر بينه وبين صاحب مرو كلام أربى فيه صاحب مرو عليه ، فاحتمله أبو مسلم وقال : مه ، لسان سبق ، ووهم أخطأ ، والغضب شيطان ،
--> « 1 » الإجاج : جمع أجة ، وهى شدّة الحر وتوهجه . « 2 » عجره وبجره ، أي كل أموره ، لم يستر عنه شيئا ؛ وأصل العجر ، العروق المتعقدة في الجسد ، والبجر ، العروق المتعقدة في البطن خاصة .