النويري
176
نهاية الأرب في فنون الأدب
* ( ويا سَماءُ أَقْلِعِي وغِيضَ الْماءُ وقُضِيَ الأَمْرُ واسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وقِيلَ بُعْداً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ) * : وهى المناسبة التامّة في « ابلعي » و « أقلعى » ؛ والمطابقة بذكر الأرض والسماء ؛ والمجاز في قوله : « يا سماء » ، فإن المراد - واللَّه أعلم - يا مطر السماء ؛ والاستعارة في قوله تعالى : * ( « أَقْلِعِي » ) * ؛ والإشارة في قوله تعالى : * ( « وغِيضَ الْماءُ » ) * فإنه عبّر بهاتين اللفظتين عن معان كثيرة ؛ والتمثيل في قوله تعالى : * ( « وقُضِيَ الأَمْرُ » ) * * فإنه عبّر عن هلاك الهالكين ونجاة الناجين بغير لفظ المعنى الموضوع له ؛ والإرداف في قوله : * ( « واسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ » ) * فإنه عبّر عن استقرارها بهذا المكان استقرارا متمكَّنا بلفظ قريب من لفظ المعنى ؛ والتعليل ، لأن غيض الماء علَّة الاستواء ؛ وصحة التقسيم إذ استوعب اللَّه تعالى أقسام أحوال الماء حالة نقصه ، إذ ليس إلا احتباس ماء السماء ، واحتقان الماء الذي ينبع من الأرض ، وغيض الماء الحاصل على ظهرها ؛ والاحتراس في قوله تعالى : * ( « وقِيلَ بُعْداً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ » ) * إذ الدعاء عليهم يشعر أنهم مستحقّو الهلاك احتراسا من ضعيف العقل يتوهّم أن العذاب شمل من يستحقّ ومن لا يستحقّ ، فتأكَّد بالدعاء كونهم مستحقّين ؛ والإيضاح في قوله : * ( « لِلْقَوْمِ » ) * * ليبيّن أن القوم الذين سبق ذكرهم في الآية المتقدّمة حيث قال : * ( ( وكُلَّما مَرَّ عَلَيْه مَلأٌ مِنْ قَوْمِه سَخِرُوا مِنْه ) ) * هم الذين وصفهم بالظلم ليعلم أن لفظة القوم ليست فضلة وأنه يحصل بسقوطها لبس في الكلام ؛ والمساواة لأن لفظ الآية لا يزيد على معناها ؛ وحسن النّسق ، لأنه تعالى عطف القضايا بعضها على بعض بحسن ترتيب ؛ وائتلاف اللفظ مع المعنى ، لأن كلّ لفظة لا يصلح موضعها غيرها ؛ والإيجاز ، لأنه سبحانه وتعالى اقتصّ القصّة بلفظها مستوعبة بحيث لم يخلّ منها بشئ في أقصر عبارة ؛ والتسهيم ، لأن أوّل الآية إلى قوله : * ( « أَقْلِعِي » ) *