النويري
46
نهاية الأرب في فنون الأدب
إن انكشف ، والاستطراد إن ولَّى . وقال صاحب كتاب كليلة ودمنة : إذا عرف الملك أنّ رجلا يساوى به في المنزلة والرأي والهمّة والمال واتّبع فليصرعه ، فإن لم يفعل فهو المصروع . وقيل : من لم يقدّمه حزمه أخّره عجزه . وقيل : من استقبل وجوه الآراء عرف مواقع الخطأ . قال البحترىّ : فتى لم يضيّع وجه حزم ولم يبت يلاحظ أعجاز الأمور تعقّبا ومثله قول آخر : وخير الأمر ما استقبلت منه وليس بأن تتبّعه اتّباعا وقيل : من لم ينظر في العواقب فقد تعرّض لحادثات النوائب . قال الشاعر : ومن ترك العواقب مهملات فأيسر سعيه أبدا تبار وقال صاحب كتاب كليلة ودمنة : رأس الحزم للملك معرفته بأصحابه وإنزالهم منازلهم واتهام بعضهم على بعض ، فإنه إن وجد بعضهم إلى هلاك بعض سبيلا أو إلى تهجين بلاء المبلين وإحسان المحسنين والتغطية على إساءة المسيئين ، سارعوا إلى ذلك ، واستحالوا [ 1 ] محاسن أمور المملكة ، وهجّنوا محاسن رأيه ؛ ولم يبرح منهم حاسد قد أفسد ناصحا ، وكاذب قد اتّهم أمينا ، ومحتال قد أغضب بريئا . وليس ينبغي للملك أن يفسد أهل الثقة في نفسه بغير أمر يعرفه ، بل ينبغي في فضل حلمه وبسطة علمه الحيطة على رأيه فيهم ، والمحاماة على حرمتهم وذمامهم ، وألَّا يرتاح [ 2 ] إلى إفسادهم ، فلم يزل جهّال الناس يحسدون علماءهم ، وجبناؤهم شجعانهم ، ولئامهم كرماءهم ، وفجّارهم أبرارهم ، وشرارهم خيارهم .
--> [ 1 ] كذا في الأصل . ولعله : « أحالوا » بمعنى غيّروا . [ 2 ] في الأصل « ألا يريح » ولعل الصواب ما وضعناه .