النويري

45

نهاية الأرب في فنون الأدب

وأما ما قيل في الحزم والعزم وانتهاز الفرصة ؛ قالت الحكماء : أحزم الملوك من قهر جدّه هزله ، وغلب رأيه هواه ، وأعرب عن ضميره فعله ، ولم يختدعه رضاه عن سخطه ، ولا غضبه عن كيده . وقيل لبعضهم : ما الحزم ؟ فقال : التفكَّر في العواقب . وقال عبد الملك بن مروان لابنه الوليد : يا بنىّ ، اعلم أنه ليس بين السلطان وبين أن يملك الرعيّة أو تملكه الرعيّة إلَّا حزم أو توان . وقالوا : ينبغي للعاقل ألَّا يستصغر شيئا من الخطأ والزّلل ، فإنّ من استصغر الصغير يوشك أن يقع في الكبير ، فقد رأينا الملك يؤتى من العدوّ المحتقر ، ورأينا الصّحّة تؤتى من الداء اليسير ، ورأينا الأنهار تنبثق من الجداول الصغار . وقال مسلمة بن عبد الملك : ما أخذت أمرا قطَّ بحزم فلمت نفسي فيه وإن كانت العاقبة علىّ ، ولا أخذت أمرا قطَّ وضعيّت الحزم فيه فحمدت نفسي وإن كانت العاقبة لي . وقال عبد الملك لعمر بن عبد العزيز : ما العزيمة في الأمر ؟ فقال : إصداره إذا أورد بالحزم ؛ قال : وهل بينهما فرق ؟ قال : نعم ، أما سمعت قول الشاعر : ليست تكون عزيمة ما لم يكن معها من الحزم المشيّد رافد وقيل لملك سلب ملكه : ما الذي سلبك ملكك ؟ فقال : [ دفع شغل [ 1 ] ] اليوم إلى غد ، والتماس عدّة بتضييع عدد ، واستكفاء كلّ مخدوع عن [ 2 ] عقله . والمخدوع [ عن عقله [ 1 ] ] : من بلغ قدرا لا يستحقّه أو أثيب ثوابا لا يستوجبه . وفى كتب للهند : الحازم يحذر عدوّه على كل حال ، يحذر المواثبة إن قرب ، والمغارة [ 3 ] إن بعد ، والكمين

--> [ 1 ] زيادة من العقد الفريد ( ج 1 ص 18 ) . [ 2 ] في الأصل : « من عقله » . [ 3 ] كذ في الأصل ، ولعله « المغاورة » بمعنى الإعارة .